Translate

السبت، 5 مارس 2022

كتاب العقـــــــوق ( تخلِّي الأبناء عن الوالدين ) دراسة اجتماعية على المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية إعداد عبدالله بن ناصر بن عبدالله السدحان

 

العقـــــــوق  ( تخلِّي الأبناء عن الوالدين )

دراسة اجتماعية على المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية

في المملكة العربية السعودية

 

إعداد

عبدالله بن ناصر بن عبدالله السدحان


1421هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمــــــــــــــــــــة

       

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فلقد مضت سنة الله في الإنسان أن جعله يمر بمراحل متعددة في رحلته الدنيوية ، فيبدأ وليداً ضعيفاً ، ثمَّ شاباً قوياً ، وأخيراً شيخاً ضعيفاً . قال تعالى : {الله الَّذي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ ثمَّ جَعَلَ مِن بَعد ضَعفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفاً وَشَيبَةً يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ } [ الروم 54 ] ولقد عنيت الشريعة برعاية هذا الإنسان منذ نعومة أظفاره وحتى مماته .

ولئن كانت هذه الرعاية تمتد طوال حياة الإنسان فإن ما يهمنا هنا المرحلة الأخيرة منها ، وهي مرحلة الشيخوخة . فلقد حرص الإسلام على هذه المرحلة وجعلها محطة تكريم وعناية خاصة وأوصى بأهلها مزيد رعاية ، واحترام وتوقير ، وبخاصة الوالدين . ذلك أن صاحبها يتصف بالضعف وحاجته إلى الآخرين لخدمته والقيام بشؤونه الدنيوية ، فهي مرحلة عصيبة ، ولا عجب أن الرسول  تعوَّذ منها فلقد روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي  كان يقول : (( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم ...)) وفي رواية أخرى تعوَّذ  من أن يُرد إلى أرذل العمر ([1]).

ولقد تزايد في الآونة الأخيرة التنادي بالاهتمام بهذه الفئة ، كما بُذلت جهود عملية لخدمتهم وانصبَّت تلك الجهود على النواحي المادية الصرفة فظهر ما يسمى بنظام التقاعد ، والتأمينات الاجتماعية ، كما تمَّ تخصيص عام 1982م سنة دولية للمُسنِّين بدعوة من الجمعية العامة للأمم المتحدة لتركيز الجهد من أجل بحث قضايا المسنِّين ومناقشتها ، ومعالجة مشاكلهم ، وزيادة الاهتمام برعايتهم الاجتماعية ،  والصحية ، والنفسية ، والمعيشية .

وإن كان هذا التنادي بين الدول المعاصرة لم يبرز إلا في السنوات الأخيرة، فإن الإسلام قد نظم هذا الأمر وأكد عليه قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، ولقد انعكس ذلك على سلوك وممارسات المسلمين في تعاملهم مع المسنِّين ، وخاصة الوالدين ، بل إن الرعاية التي منحها الإسلام تمتاز بشموليتها وتنوعها كما سنرى .

ولقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن أوضاع المسنِّين والمسنَّات المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية ([2])، وإن وجودهم في هذه الدور يدل على تخلِّي أبنائهم عنهم ، وأنها تمثل مظهراً من مظاهر العقوق للوالدين ، ومن واقع عملي الوظيفي واهتمامي بهذا الجانب تولّد لدي تساؤل ، ثمَّ أصبح يكبر باستمرار ، ومع كل حالة تدخل هذه الدور . فكان السؤال يتردد : هل هناك تخلِّي من الأبناء عن الوالدين ؟ وهل أصبح المجتمع السعودي يعيش كل هذا العقوق ؟

ومن هنا تأتي هذه الدراسة التي تحاول أن تجيب على تساؤل مهم : وهو التعرف على أسباب دخول المسنِّين والمسنَّات دور الرعاية الاجتماعية ، إضافة إلى محاولة استقصاء الخصائص الاجتماعية والمهنية والاقتصادية والتعليمية لهم ، ثمَّ التعرف على علاقة هؤلاء المسنِّين والمسنَّات بذويهم خارج الدور .

واستكمالاً للدراسة تناولت رعاية المسنِّين في الإسلام ، وأوجه الرعاية المقدَّمة لهم ، مع الإشارة للتغيرات التي تصيب الإنسان في حالة كبره ، وموقف الإسلام منها ، وتم ترتيبها وفق التقسيم التالي :

الفصل الأول : ويشتمل على ما يلي :

أولاً : تعريف المصطلحات .

ثانياً :    التغيرات التي يمر بها كبير السن .

ثالثاً :     موقف الإسلام من هذه التغيرات .

الفصل الثاني : رعاية المسنِّين في الإسلام . ويشتمل على ما يلي :

أولاً : أسس رعاية المسنِّين في الإسلام .

ثانياً :    رعاية الوالدين كمظهر من مظاهر رعاية المسنِّين في الإسلام .

ثالثاً :     رعاية صديق الوالدين كمظهر من مظاهر رعاية المسنِّين في الإسلام .

رابعاً :        رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم .

خامساً :     رعاية المسنِّين في الحروب من قبل الجيوش المسلمة .

سادساً : بعض الأحكام الشرعية الخاصة بالمسنِّين .

الفصل الثالث : دراسة عن المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية  في المملكة العربية السعودية وفق المحاور التالية :

أولاً : الإطار المنهجي للدراسة .

ثانياً :    رعاية المسنِّين في المملكة العربية السعودية .

ثالثاً :     الدراسات السابقة .

رابعاً :        الإجراءات المنهجية للدراسة .

خامساً : تحليل وتفسير البيانات .

سادساً : نتائج الدراسة .

وختمت الدراسة بقائمة بالمراجع التي اعتمدت عليها ، والله أسأل أن ينفع بها ، وتؤدي دورها في دعم المكتبة الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية ، ومما يلزم الإشارة اليه أن بعض فصول هذا الكتاب سبق نشرها في كتاب مستقل بعنوان ( رعاية المسنّين في الإسلام )  وهي الفصل الأول والثاني .

ولا يفوتني هنا أن أتقدم بالشكر لكل من ساهم في إنجاح هذه الدراسة ، وأخص الإخوة المدراء والأخصائيين والأخوات الأخصائيات بدور الرعاية الاجتماعية فلهم خالص الدعاء والشكر .

                        والله الموفق

                                                المؤلف

                                        ص. ب (  7351  )

                                        الرياض    11462

 

 

 

 

 

 


الفصل الأول

 

أولاً : تعريف المصطلحات .

ثانياً :    التغيرات التي يمر بها المسن.

ثالثاً :     موقف الإسلام من هذه التغيرات.

 

 

 

 أولاً :  تعريف المُسِنّ

 

المُسِنُّ في اللغة :

استعمل العرب كلمة  ( الـمُسِنّ )  للدلالة على الرجل الكبير ، فتقول : (( أسَنَّ الرجل : كَبُر ، وكبرت سِنُّة . يُسنُ إسناناً فهو مسن )) ([3]) . كما تستخدم العرب ألفاظاً مرادفة للمسن فتقول : (شيخ) ، وهو (( من استبانت فيه السِّنُّ وظهر عليه الشيب ))  ([4])، وبعضهم يطلقها على من جاوز الخمسين ([5]). وقد تقول : ( هَرِم ) ، وهو (( أقصى الكبر ))([6])، وتقول كذلك : (كهل) وجميع هذه الألفاظ تدل على كبر السن .

ونقل عن بعض الحكماء قوله : الأسنان أربعة : سن الطفولة ، ثمَّ الشباب، ثمَّ الكهولة ، ثمَّ الشيخوخة ([7]). إلا أنه يمكن ترتيب مراحل عمر الإنسان استظهاراً من معاجم اللغة بعد مرحلة المراهقة كالتالي : شاب ، ثمَّ كهل ، ثمَّ شيخ ، ثمَّ هَرِم . فكل من تجاوز مرحلة الشباب - وهي إلى الأربعين - فهو مُسِن في اللغة ، ونلحظ أن آخر هذه المراحل هي مرحلة الهرم ، وهو : الزيادة في كبر السن ([8])، الذي هو أرذل العمر ، كما أطلق عليه ابن الجوزي رحمه الله ([9]) وهذا هو الذي تعوذ منه الرسول  في قوله : (( اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم .. ))  ([10]) ، كما عدّ الرسول  هذه المرحلة آخر مرحلة قبل الموت ، فيما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - ، أن رسول الله  قال : (( بادروا بالأعمال سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً أو هرماً مُفنَّداً أو موتاً مجهزاً .. ))  ([11]) ، وروى عبدالله بن الشخير عن أبيه - رضي الله عنهما - عن النبي  قال : (( مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية ، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت  ))  ([12]) .

المُسِن في الاصطلاح :

كثيراً ما يرتبط هذا اللفظ لدى بعض الباحثين في علم الاجتماع بسن معينة وهو سن الستين ، فيقال : المُسِنُّ هو : من تجاوز عمره الستين ([13]) . ومن المعلوم أن هذه المرحلة نسبية وتتفاوت من فرد لآخر ، فبعض من بلغ هذا العمر ، أو تجاوزه قد يكون نشيطاً ولا تظهر عليه بوادر السن أو الشيخوخة ، والعكس كذلك . فإننا قد نجد من هو دون هذا العمر وقد ضعف واشتعل رأسه شيباً ، لذا نستطيع القول : أن العمر التاريخي للإنسان يُعدُّ معياراً غير دقيق لتحديد مرحلة وصفه بـ ( المُسِنّ ) .

ومن هنا نجد بعضهم يتخذ أكثر من مقياس لتحديد هذه المرحلة ، فيتخذ العمر الزمني مقياساً يتعامل به مع عدد السنين ، والعمر البيولوجي ، وهو مقياس وصفي يتناول الجوانب العضوية للإنسان ، والعمر الاجتماعي ، ويتناول فيه الأدوار الاجتماعية التي يمارسها  الفرد وعلاقاته بالآخرين ، وأخيراً العمر النفسي ،  ويحدد بالخصائص النفسية والتغيرات في سلوك الفرد وحاجاته ودوافعه ([14]). وعلى ذلك عرّف (أغآ) المُسِنّ بأنه : (( من دخل طور الكبر )) ، ثمَّ يحدد الكبر بأنه : ((حقيقة بيولوجية تميز التطور الختامي في دورة حياة البشر ))([15]). كما نجد من يُعَرِّف المرحلة التي يصل إليها المسن تعريفاً وظيفياً ، حيث يرى ( إسماعيل ) أنها : ((حالة يصبح فيها الانحدار في القدرات الوظيفية البدنية والعقلية واضحاً يمكن قياسه وله آثاره على العمليات التوافقية ))([16]). ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمم المتحدة ، وجامعة الدول العربية قد عرفتا المسنّ تعريفاً إجرائياً تسهيلاً للتعامل مع هذا المصطلح . وذلك بأن حددتاه بمن تجاوز عمره الستين سنة ([17]).

وأياً كان الاختلاف ، فمن المؤكد أنه ليس هناك حدّ فاصل واحد نستطيع القول عنده أن الإنسان قد أصبح مسناً ، خاصة إذا تعاملنا وفق المقاييس السابقة مجتمعة وهي : العمر الزمني ، والعمر البيولوجي ، والعمر الاجتماعي ، والعمر النفسي. ولكننا نستطيع القول بأن المُسِنّ هو : ((كل فرد أصبح عاجزاً عن رعاية نفسه وخدمتها ، إثر تقدمه في العمر ، وليس بسبب إعاقة أو شبهها )) . وبهذا نخرج من إشكالية تحديد السَّن الزمني الذي يتفاوت الناس فيه .


ثانياً : المتغيرات التي تصاحب مرحلة الشيخوخة

 

يصاحب مرحلة الكبر لدى الإنسان ضعف عام ، قال تعالى : { الله الَّذي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ ثمَّ جَعَلَ مِن بَعد ضَعفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفاً وَشَيبَةً يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ } [ الروم 54 ] فالإنسان يمر بثلاث مراحل رئيسة: ضعف ، ثمَّ قوة ، ثمَّ ضعف ، ولكن هذا الضعف الأخير نسبي بين البشر عموماً والمؤمنين خصوصاً ، وسيتضح ذلك بعد عرضٍ موجز للتغيرات التي تصيب الإنسان في حالة كبره .

التغيرات الجسمية :

تظهر بعض التغيرات المرئية على جسم الإنسان في حالة تقدمه في السنّ مثل : تجعُّد الجلد وجفافه ، وثقل في السمع ، وضعف في البصر والشم والحواس بشكل عام ، وبطء الحركة ، وترهل بعض العضلات ، وتغير لون الشعر ، كما أن هناك تغيرات جسمية غير مرئية مثل ما يحدث من ضعف في العظام ، وانخفاض لحرارة الجسم نتيجة لقلة الحركة ، إضافة لارتفاع نسبة الإصابة ببعض الأمراض ، مثل : ارتفاع ضغط الدم ، والسكر ، والقبض المزمن ، والضعف الجنسي ([18]).

التغيرات الاجتماعية :

أبرز ما تتصف به هذه التغيرات لدى المسنِّين تقلُّص علاقاتهم الاجتماعية ، إذ تقتصر على الأصدقاء القدامى ومن كان يسكن بقربه نظراً لصعوبة تنقلاته بسبب التغيرات الجسمية آنفة الذكر ، كما ينتج عن هذا التغير مظهر جديد في حياة المسنّ ألا وهو : الفراغ والعزلة ، وذلك نتيجة للانسحاب المتبادل بين المسن والمجتمع الذي يؤدي بدوره إلى ضيق الاتصال بالمجتمع ، وإلى تدهور المشاركة الاجتماعية لديه ([19]) وهذه المظاهر الجديدة في حياة المسنّ تساعد على بروز التغيرات النفسية التي فيما يلي عرضٌ لها :

التغيرات النفسية والانفعالية :

ترتبط التغيرات النفسية بالتغيرات السابقة بشكل كبير ، وإن كان ارتباطها بالتغيرات الاجتماعية يبدو واضحاً بشكل أكبر ، وأبرز هذه التغيرات : تغيُّر مفهوم الفرد عن ذاته ، وبروز القلق والاكتئاب والملل كمظهر جديد في حياة المسنّ ، كما يصاحب ذلك توهم المرض ، وكثرة الشكوى ، والحساسية الزائدة ، والإعجاب بالماضي ، والعناد والشك ، وعدم الثقة في الآخرين ، كما تتغير اهتمامات المسنّ فتتركز حول الجوانب الشخصية ، إضافة إلى أن (( الاهتمامات الدينية تزيد مع التقدم في العمر )) ([20]) .

التغيرات العقلية :

من أبرز مظاهر هذه التغيرات لدى المسن ، ضعف الذاكرة والنسيان ، وبخاصة المعلومات الحديثة ، إضافة إلى ظهور خَرفَ الشيخوخة لدى البعض ، ويتمثل ذلك في تكرار الحديث مرات ومرات ، وعدم التعرف على الأبناء والأقارب، كما تضعف القدرة على الإدراك والتعلم ([21]).

التغيرات الاقتصادية :

عادة ما ينخفض دخل المسنّ وهذا عائد في الغالب إلى إحالته للتقاعد عند بلوغه السن النظامية ، وبالتالي يؤدي ذلك إلى عجزه عن تلبية العديد من الحاجيات ، وبخاصة إذا اقترن ذلك بتوقع إصابة المسن ببعض الأمراض وما تحتاجه من زيارات للطبيب وشراء الأدوية ، فهو يعاني من انخفاض في الدخل مع تزايد في الأعباء المالية ، ويصاحب ذلك الغلاء المتزايد للأسعار وضعف القوة الشرائية للنقود ، لذلك نرى بعض الدول تقوم بتعديل معاشات الأفراد المتقاعدين مرة كل سنة ، وبعضها مرتين كل سنة ، وبعضها مرة كل ثلاثة أشهر ([22])، وكل ذلك لمواجهة هذه المتغيرات الاقتصادية في حياة المسنّ ([23]) .

ولقد أفاض ابن الجوزي - رحمه الله - في وصف وتحليل مرحلة الشيخوخة وما يصاحبها من التغيرات الجسمية والعقلية منها بخاصة ، وكان له بذلك السبق على غيره من العلماء الذين كتبوا عن هذه المرحلة ([24]).

ولقد وصف أبو العريان ،الهيثم بن الأسود النخعي حالة من كبرت سنُّه نثراً وشعراً عندما سأله صاحبه عن حاله ، فقال : (( أجدني قد ابيضّ مني ما كنت أحب أن يسودّ ، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ ، ولان مني ما كنت أحب أن يشتدّ ، واشتدّ مني ما كنت أحب أن يلين ، وأجدني يسبقني من بين يديّ ، ويدركني من خلفي ، وأنسى الحديث ، وأذكر القديم ، وأنعس في الملاء ، وأسهر في الخلاء ، وإذا قمتُ قربت الأرض مني ، وإذا قعدتُ بعدت عني )) ، ثمَّ أنشد شعراً :

فاســــمع أنبئـك بآيات الكبــر

تقــارب الخطو وضعف البصــر

وقلـــــة الطعم إذا الزاد حضــر

وكثرة النســـيان ما بي مُدّكــر

وقلة النــــــــوم إذا الليل اعتكر

أوله نــــــــومٌ وثلثاه ســـهـــر

وســـعلة تعتادنــــي مع السحر

وتركي الحسناء في حين الطُهـر

وحـــذراً أزداده إلى حــــــذر

     والناس يبلون كما يبلى الشجر ([25])

وسأل الحجاج رجلاً من بني ليث ، قد بلغ سناً كبيرة ، قال : كيف طعمك ؟ قال : إذا أكلت ثقلت ، وإذا تركت ضعفت . قال : فكيف نكاحك ؟ قال : إذا بُذل لي عجزت ، وإذا منعت شرهت . قال : كيف نومك ؟ قال : أنام في المجمع وأسهر في المضجع . قال : كيف قيامك وقعودك ؟ قال : إذا أردت الأرض تباعدت منّي ، وإذا أردت القيام لزمتني . قال : كيف مشيتك ؟ قال : تعقلني الشعرة وأعثر بالبعرة .

ولبعض حكماء العرب قصيدة يصف فيها مراحل الإنسان العمرية التي يمر بها وحالته في كل مرحلة من المراحل ، يقول فيها ([26]):

ابنُ عشرٍ من السنين غـــــــــــــلام

 

همه اللعبُ مولع بالحمــــــــــــــــامِ

وابنُ عشرين مولع بالغوانـــــــــــــي

 

لا يبالــــي ملامـــــة اللــــــــــــوَّامِ

والذي يبلغ الثلاثين عامــــــــــــــــاً

 

فضـــروب لدى الوغـــى بالحســــامِ

فإذا جاوزهــا بعشــر ســـــنيـــــــن

 

كان أقوى من كل قـــــرن مُســـــامِ

وابن خمسين للنوائب يرجــــــــــــى

 

ولنقض الأمـــــور والإبـــــــــــــرامِ

وابن سـتين حازم الرأي طـــــــــــب

 

كامل العقـل ضـابط للكــــــــــــلامِ

وابن ســبعين قد تولــــــــــى وأودى

 

وتثنـــى فما لــه مــن قـــــــــــــوامِ

والذي يبلغ الثمانيــــن عامـــــــــــاً

 

ذاهب الذهــن دائــــبُ الأســــــقامِ

وابن تســعين تائــهٌ قـد تناهـــــــــى

 

إن تســـعين غايـــــة الأعـــــــــــوامِ

فإذا جــازهــا بعشــر فحــــــــــــي

 

مثلُ ميــت مـــودع بالســـــــــــلامِ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

ثالثاً :

موقف الإسلام من التغيرات التي تصاحب مرحلة الشيخوخة

 

مما ذكر من المتغيرات تتضح عظمة القرآن ودقة تصويره للحالة التي قد يعيشها الإنسان في هذه المرحلة عندما وصفها الله عز وجل بأنها عودة إلى أرذل العمر في قوله تعالى : { واللهُ خَلَقَكُم ثمَّ يَتَوَفَّاكُم ومِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } [ النحل : 70 ] . وأرذل العمر كما ذكر المفسرون هو : أخسّه وأدونه وآخره الذي تضعف فيه القوى ، وتفسد فيه الحواس ، ويختل فيه النطق والفكر ، ويحصل فيه قلة العلم وسوء الحفظ والخرف ، وخصّه الله بالرذيلة لأنه حالة لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد ([27]).

إلا أن من المفسرين من ذكر أن بعض المؤمنين يُستثنون من حالة الردّ إلى أرذل العمر . قال القرطبي رحمه الله : (( إن هذا لا يكون للمؤمن ـ يعني الخرف والرد إلى أرذل العمر ــ ، لأن المؤمن لا يُنزع عنه علمه )) ([28])، وورد عن ابن عباس - رضي الله عنه - قوله : (( ليس هذا في المسلمين لأن المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله وعقلاً ومعرفة )) ، كما نُقل عن عكرمة قوله : (( من قرأ القرآن لم يُرَد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئاً )) ([29]) ، وقال طاووس : (( إن العالم لا يخرف )) ([30]) ، وذكر السيوطي عن عبدالملك بن عمير أنه قال : (( كان يقال : إن أبقى الناس عقولاً قُرّاء القرآن )) ([31]) . كما ذكر ابن أبي الدنيا عن الشعبي أنه قال : (( من قرأ القرآن لم يخرف )) ([32]) .

وقال الشنقيطي في أضواء البيان عند تفسير الآية السابقة : (( إن العلماء العالمين لا ينالهم هذا الخرف وضياع العلم والعقل من شدة الكبر ، ويُستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى : { ثمَّ رَدَدنَاهُ أَسفَلَ سَافِلِينَ ` إِلا الَّذيِنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ ... } [ التين : 5،6 ] وأن الاستثناء ( إلا الذين آمنوا ) فإنهم لا يصلون إلى حالة الخرف وأرذل العمر ([33])، ولأن المؤمن مهما طال عمره فهو في طاعة وفي ذكر الله ، فهو كامل العقل ، وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يُصاب بالخرف ولا بالهذيان )) ([34]).

ونقل السيوطي عن عكرمة عند تفسير قوله تعالى : { ثمَّ رَدَدنَاهُ أَسفَلَ سَافِلِينَ ` إِلاَّ الَّذيِنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ ... } [ التين : 5،6 ] أنه قال : (( ولا ينزل تلك المنزلة أحد قرأ القرآن ـ أي حفظه ـ )) ([35]) . ونُقل عن محمد بن كعب القرظي قوله : ((  من قرأ القرآن مُتِّع بعقله وإن بلغ من العمر مائتي سنة))([36])، وجزم ابن فورك : (( أن صاحب البر تُنفى عنه الآفات في فهمه وعقله حال كبره )) ([37]).

وما تقدم ذكره يتناول حفظ الله لعقل المسلم العامل الحافظ للقرآن ، أما عن حفظ الله لقوة المسلم عند كبره فقد ذكر ابن رجب عند شرحه لقوله  (( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ... الحديث([38]) )) ، أن من (( حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته ، ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله )) ([39]) ، وفي الحديث أن رسول الله  قال : (( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وقربة إلى الله تعالى ، ومنهاة عن الإثم ، وتكفير للسيئات ، ومطردة للداء عن الجسد )) ([40])، والشاهد هنا أن قيام الليل ـ وهو نوع من أنواع العبادة ـ يزيد في عافية البدن ويطرد الداء عن الجسد ، وبالتالي يمتعه الله بقوته .

كما أظهرت الأبحاث الطبية الحديثة أن الصوم يُطيل مرحلة الشباب ويؤخر أعراض الشيخوخة ([41]).

وتروي كتب السِّيَر حوادث عديدة تأكيداً لذلك الأمر ، فهذا أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو ممتّع بقوته وعقله ، فركب مرة سفينة فلما خرج منها قفز قفزة قوية لا يستطيعها الشباب فقيل له : ما هذا يا أبا الطيب ؟ فقال : ولِمَ ؟ وما عصيت الله بواحدة منها قط ([42])، على العكس من ذلك رأى أحد السلف شيخاً يسأل الناس فقال :  إن هذا ضيّع الله في صغره ، فضيعه الله في كبره ([43]).

وعلى كل حال فغالب المسلمين لا يصلون إلى هذه المرحلة التي تحدث فيها هذه التغيرات ، وهذا التدهور الصحي ، والبدني ، والنفسي ، ذلك أن أعمار المسلمين غالباً بين الستين إلى السبعين ، قال رسول الله  : (( أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك )) ([44])، وهذا بشكل عام يشمل جميع المسلمين إلا أنه يمكننا القول أيضاً : أن المسلم المؤمن الحافظ لحدود الله،  الحافظ للقرآن ، لا تصيبه المتغيرات التي تحدث للإنسان في مرحلة الشيخوخة وبخاصة التغيرات الجسمية والعقلية والنفسية ، وإن حدثت فهي أقل ولا شك مما يصيب الآخرين ، أو تتأخر فلا تحدث إلا في آخر أيامه . و مما يعضد هذا الرأي ما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال : قلما كان رسول الله  يقوم من مجلس حتى يدعوا بهؤلاء الدعوات لأصحابه : (( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تُهون به علينا مصيبات الدنيا ، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ... الحديث )) ([45]). والوارث : هو الباقي ، والمراد إبقاء قُوَّتِه إلى وقت الكبر ، وروى الإمام مالك - رحمه الله - في الموطأ أن رسول الله  كان يدعو فيقول : (( اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكناً .. امتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك )) ([46])، والشاهد هنا : أنه لو لم تكن إمكانية إبقائها والتمتع بها إلى آخر لحظة في العمر واردة وممكنة لما دعا الرسول  بهذه الدعوات وشرع لأمته أن تدعو بها من بعده .

يضاف إلى ذلك أن الرسول  دعا لبعض أصحابه بطول العمر ، ولو كان طول العمر شراً للمؤمن أو سوءً ما دعا به  لأصحابه ، ولما شرع لأمته من بعده أن تدعو به ، ففي الحديث الذي يرويه أنسّ - رضي الله عنه - أن رسول الله  دعا له فقال : (( اللهم أكثر ماله وولده ، وأطل حياته ، واغفر له )) ([47])، ولقد طالت حياته - رضي الله عنه - ، وعاش بعد هذه الدعوة ، وتوفى وعمره قد جاوز المائة عام ، وفي الحديث الآخر أن أم قيس - رضي الله عنها - قالت : توفى ابني فجزعت عليه فقلت للذي يغسله : لا تغسل ابني بالماء البارد وتقتله ، فانطلق عكاشة بن محصن إلى رسول الله  فأخبره بقولها ، فتبسم ، ثمَّ قال : (( ما قالت طال عمرها )) قال فلا أعلم امرأة عمّرت ما عُمّرت([48])، بل عدَّ الرسول  طول العمر من السعادة ، فقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده ، أن الرسول  قال: (( ... وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة ))([49])،كما أن الله إذا أراد بقوم خير مدَّ لهم في العمر ،فيروى أن رسول الله قال: (( إذا أراد الله بقوم خيراً مدَّ لهم في العمر ، وألهمهم  الشكر ))([50]). ولذا استدل كثير من العلماء بهذه الأحاديث لجواز الدعاء للإنسان بطول العمر .

كما أن الله يكافئ بعض عباده الأصفياء بإطالة أعمارهم وإحيائهم في عافية إلى أن يقبض أرواحهم ، روى عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( إن لله عباداً يضنُّ بهم عن الفناء ، ويطيل أعمارهم في حسن العمل ، ويحسن أرزاقهم ، ويحييهم في عافية ، ويقبض أرواحهم في عافية ... الحديث ))([51]).

ولقد دلنا الرسول  إلى بعض الأعمال التي بسببها يطول عمر الإنسان، وعدَّ إطالة العمر جزاء لهذه الأعمال الفاضلة ، ومن ذلك : بر الوالدين، وصلة الرحم ، وحُسن الخُلق ، وحُسن الجوار ، وتقوى الله . روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه )) ([52])، قال ابن حجر : يُنسأ له في أثره أي : يؤخر في أجله ([53])، ‎وقال الترمذي : الزيادة في العمر ([54]). وحدثت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي  قال : (( إنه من أُعطي حظّه من الرفق ، فقد أُعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ، وصلة الرحم ، وحُسن الخلق ، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار )) ([55])، وروى سهل بن معاذ عن أبيه -رضي الله عنهما - قال : قال النبي  : (( من برَّ والديه طوبى له ، زاد الله عز وجل في عمره ))([56])، كما ورد عن الرسول  قوله : (( لا يرد القضاء إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البرَّ )) ([57]).

ولقد فسَّر بعض العلماء رحمهم الله زيادة العمر بأنها البركة في العمر ، وبعضهم أوَّلَها بالذكر الحسن بعد وفاة الإنسان فلا يضمحلُّ ذكره في الدنيا سريعاً، وبعضهم قال : إن الزيادة في العمر هي الذرية الصالحة يدعون له من بعده([58]). وقيل أيضاً : إن الزيادة في العمر : نفي الآفات ، والزيادة في الأفهام والعقول والبصائر ، كما قيل إن المقصود بزيادة العمر : السعة في الرزق واليَسَار والزيادة فيه ، لأن الفقر موت ، كما في الأخبار : إن الله تعالى أعلم موسى عليه السلام ، بأنه يموت عدوّه ثمَّ رآه بعد ذلك ، ينسج الخوص ، فقال : يارب وعدتني أن تميته. قال : قد فعلت ، ذلك لأني أفقرته ([59]).

والذي يترجح أن زيادة العمر الواردة في الآثار السابقة هي على حقيقتها ، لكثرة القائلين به من الصحابة ، والتابعين ومنهم : عمر بن الخطاب ، وعبدالله بن مسعود ، وأبو وائل ، وكعب ، وجمع غفير ([60]). وهو القول الذي رجحه كل من شيخ الإسلام ابن تيمية ، والسيوطي ، وابن حجر ، وابن قتيبة ، وابن فورك ، وابن سعدي - رحمهم الله - ([61]) ولقد انتصر لهذا القول الأخير الشوكاني - رحمه الله- في رسالة نفيسة جمع فيها الأقوال ، ورجح أن الزيادة في العمر على حقيقتها إذا عمل الإنسان لذلك وقام بالأسباب التي تزيد في العمر والمذكورة في الآثار السابقة ([62])، وكذلك ممن انتصر لهذا القول أحمد المفتي بغلبة - رحمه الله - وهو من علماء الدولة العثمانية في رسالة صغيرة ([63]).

وهناك من العلماء من قال بعدم الزيادة في العمر ، وذلك خروجاً من إشكال قد يرد وهو التعارض مع ما تقرر أن الآجال مضروبة ومقدرة ، أخذاً من حديث أم حبيبة زوج النبي  عندما قالت : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله  ، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية ، فقال رسول الله  : (( قد سألت الله لآجال مضروبة ، وأيام معدودة ، وأرزاق مقسومة ، لن يعجل شيئاً قبل حله ، أو يؤخر شيئاً عن حله ...)) الحديث ([64]).

ولقد حقق الشيخ مرعي المقدسي - رحمه الله - هذه المسألة تحقيقاً مستفيضاً في رسالة جامعة أورد فيها أدلة القائلين بمنع الزيادة في العمر وأدلة القائلين بالزيادة في العمر ، وردود كل فريق على الآخر ، وانتهى إلى قول السيوطي - رحمه الله - : إنه قد تظاهرت الأحاديث والآثار على زيادة العمر ونقصه ، بالنسبة لما في اللوح المحفوظ ، أو برز إلى الملائكة ، لا بالنسبة إلى ما علم الله تعالى ، فإن علمه أزلي لا يتغير ، والأشياء كلها واقعة على وفق علمه في الأزل من غير زيادة ونقص . فعلم الله لا يتغير ولا يتبدل ، وما في اللوح المحفوظ يغير ويبدل ، وهذا ما يقول به كل من شيخ الإسلام ، وابن العربي المالكي ، وابن حجر ، والشوكاني ـ رحمهم الله ـ ([65]).

ويتلخص من كل ما سبق : أن الزيادة في العمر على حقيقتها ، له مستند من الشرع وهو مقتضى النصوص ، وبه قال عدد من الأئمة والعلماء - رحمهم الله - كما أنه أمر مرغوب وهو من السعادة في الإسلام إذا اقترن بالعمل الصالح ، ويُدعى به للآخرين ، بل يكافئ الله عز وجل بعض عباده بإطالة أعمارهم في الدنيا حين قيامهم ببعض الأعمال الفاضلة ، كما أن الله يُمتِّع عباده بقواهم وسمعهم وبصرهم وعقولهم إثر أعمال صالحة نشأوا عليها .

بقيت الإشارة في هذا الخصوص إلى أن هناك محاولات لعلاج أمراض الشيخوخة والهرم الذي يصيب بعض الناس في كبرهم ، وهذه المحاولات تكثر في العالم الغربي بشكل واضح ، وقد ينجرف معها بعض الأطباء المسلمين ، إلا أن هذه المحاولات مكتوب لها الفشل مسبقاً بنص حديث رسول الله  الذي رواه أسامة بن شريك - رضي الله عنه -أن الأعراب قالت : يا رسول الله ألا نتداوى ، قال (( نعم يا عباد الله تداووا ، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً قالوا : يارسول الله وما هو قال : الهرم )) ([66]).

ومن هنا يتضح أنه لا علاج للشيخوخة أو الهرم وفق حديث رسول الله  ، ولكن بالتزام الإنسان المسلم حدود الله ، وحفظه للقرآن قد تنعدم أعراض الشيخوخة أو تتأخر على الأقل ، أما علاجها بشكل كامل كما تجري المحاولات الآن فذاك مما لا يمكن .

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

رعاية المسنِّين في الإسلام

 

أولاً : أسس رعاية المسنِّين في الإسلام .

ثانياً :    رعاية الوالدين كمظهر من مظاهر رعاية المسنِّين .

ثالثاً :     رعاية صديق الوالدين كمظهر من مظاهر رعاية المسنِّين .

رابعاً :        رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم .

خامساً :     رعاية المسنِّين في الحروب من قبل الجيوش المسلمة .

سادساً :    بعض الأحكام الشرعية الخاصة بالمسنِّين .


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً :

أسس رعاية المسنِّين في الإسلام

 

تقوم رعاية المسنِّين في الإسلام على أسس عدة تنطلق منها أوجه الرعاية التي تُقدم لهذه الفئة من المجتمع ، وأبرز هذه الأسس ما يلي :

1- الإنسان مخلوق مكرم ، ومكانته محترمة في الإسلام :

لقد أسجد الله له ملائكته حين خلقه ، قال تعالى : { إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّيِ خَالِقٌ بَشَراً مّنِ طِينٍ + فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ + فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُهُم أَجمَعُونَ } [ ص : 71-73 ] ، وهو سجود إكرام وإعظام واحترام كما ذكر المفسرون ([67])، وقال تعالى : { وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِ وَالبَحرِ ورَزَقنَاهُم مِّنَ الطَّيِبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مّـِمّن خَلَقنَا تَفضِيلاً } [ الإسراء : 70 ] ، فالمسنُّ له منزلته ومكانته في الإسلام بشكل عام أخذاً من عموم الآيات ، إلا أنه مع ذلك له منزلة خاصة ستتبين في ثنايا هذا المبحث بإذن الله .

 

2-        المجتمع المسلم مجتمع متراحم متماسك متوادّ :

قال تعالى : { مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم ... الآية } [ الفتح : 29 ] ، وقال تعالى واصفاً المؤمنين : { ثمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَوَاصَوا بِالصَّبرِ وتَوَاصَوا بِالمَرحَمَةِ } [ البلد : 17 ] ، ويصف الرسول  المؤمنين بأنهم كالجسد الواحد ، وذلك فيما رواه النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - أن رسول الله  قال : ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)) ([68]). وفي رواية عنه - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : ((المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكىكله ، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله)) ([69])، وعن أنس - رضي الله عنه - أن النبي  قال : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ([70])، وذكر جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - قول الرسول  : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) ([71])، كما أخرج الترمذي عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله  قال : ((الراحمون يرحمهم الله ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) ([72])، وأخرج الإمام أحمد رحمه الله عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن النبي  قال : ((إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس)) ([73]). ولعظم قيمة التراحم عدّ رسول الله  الذي لا يرحم البشر عموماً من الخاسرين ففي الحديث : ((خاب عبدٌ وخسر لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر)) ([74])، كما دلنا  على طريقة تكفل للمجتمع المسلم أن يكون مجتمعاً متحاباً فيما بينه ، فيروي أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : ((والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم))([75]).

 

3- إن جزاء الإحسان في الإسلام الإحسان :

قال الله تعالى : { هَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلاَّ الإِحسَانَ } [ الرحمن : 60 ] ، أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق ، ونفع عبيده ، إلا أن يحسن خالقه إليه بالثواب الجزيل ، والفوز الكبير والنعيم والعيش السليم ([76]). قال محمد بن علي (ابن الحنفية) - رحمه الله - في تفسير هذه الآية : هي مسجلة للبَّرِّ والفاجر ([77])، روى شداد بن أوس أن رسول الله  قال : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ...)) الحديث ([78]). وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : ((  ما أكرم شابٌ شيخاً لسنِّه إلا قيَّض الله له من يُكرمه عند سنِّه)) ([79])، فهذا الحديث يبيِّن أن إحسان الشاب للشيخ يكون سبباً لأن يقيِّض الله للشاب من يكرمه عند كبره ، ومن العلماء من قال : إن في هذا الحديث دليل على إطالة عمر الشاب الذي يكرم المسنِّين ([80]).

 

4- المجتمع المسلم مجتمع متعاطف متكاتف متعاون :

لقد حضَّ الإسلام وحرص على أن يجعل المجتمع المسلم متآزراً متعاوناً يشد بعضه بعضاً ، وذلك من خلال الحثَّ المتواصل لأفراده على خدمة بعضهم بعضاً ، وتفريج كرب إخوانهم المسلمين ، وإدخال السرور على أنفسهم ، وكفّ ضيعتهم، ورتَّب على ذلك الأجر الجزيل ، وعدَّه رسول الله  من أفضل الأعمال ، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله  سُئل : أي العمل أفضل ؟ قال : ((أفضل العمل أن تُدخل على أخيك المؤمن سروراً ، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطعمه خبزاً)) ([81]). كما جعل عون الرجل لأخيه المسلم صدقة يتصدق بها عن نفسه في كل يوم ، فعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : ((في ابن آدم ستون وثلاثمائة سلامى أو عظم أو مفصل ، على كل واحد في كل يوم صدقة، كل كلمة طيبة صدقة ، وعون الرجل أخاه صدقة ... )) الحديث ([82]).

ولقد وصف رسول الله  حال المؤمن مع أخيه المؤمن في المجتمع بأبلغ عبارة وأدق وصف ، وذلك فيما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي  أنه قال : (( المؤمن مرآة أخيه ، والمؤمن أخو المؤمن يكفّ عليه ضيعته ، ويحوطه من ورائه )) ([83])، وأخرج الإمام مسلم - رحمه الله - أن رسول الله  قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه )) ([84]).

ويتواصل الحثُّ من الرسول  لأفراد المجتمع المسلم بأن يتعاونوا ويكونوا في خدمة بعضهم بعضاً ، والتساعد لقضاء حوائج بعضهم البعض ، روى جابر - رضي الله عنه - حديثاً عن الرسول  وفيه : (( ... ومن يكن في حاجة أخيه يكن الله في حاجته )) ([85])، ويا له من عون للإنسان عندما يكون الله في حاجته ، ولكن ذلك لا يتحقق إلا حينما يكون المسلم في حاجة أخيه المحتاج لأي نوع من أنواع الحاجة .

ولقد وجَّه الرسول  أمته إلى نفع الناس وإدخال السرور على أنفسهم وكشف كربهم ، وعدَّ مَن يفعل ذلك بأنه أحب الناس إلى الله ، كما أخبر ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله  قال : (( أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم ، أو يكشف عنه كربه ... )) الحديث ([86]).

 

5-المسِنّ المؤمن له مكانته عند الله ولا يُزاد في عمره إلاّ كان له خيراً :

تضافرت الأحاديث الواردة عن الرسول  أن المؤمن لا يزاد في عمره إلا يكون خيراً له ، إضافة إلى أن المُسِنَّ المؤمن له مكانة خاصة تتمثل في تجاوز سيئاته وشفاعته لأهل بيته ، فلقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعُ به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً )) ([87])، وعن أنس - رضي الله عنه - قال : أن رسول الله  قال : (( ألا أنبئكم بخياركم . قالوا : بلى يا رسول الله . قال : خياركم أطولكم أعماراً إذا سددوا )) ([88]). وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( خياركم أطولكم أعماراً وأحسنكم أعمالاً )) ([89])، وفي المسند أن رسول الله  قال : ((ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يُعمَّر في الإسلام لتسبيحه ، وتكبيره ، وتهليله )) ([90]). وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن الرسول  أنه قال: (( الخيرُ مع أكابركم )) ([91]). وفي رواية : (( البركة مع أكابركم )) . وأخرج الإمام أحمد رحمه الله في المسند عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( ما من مُعَمَّر يعمَّر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلايا : الجنون ، والجذام ، والبرص ، فإذا بلغ خمسين سنة ليَّن الله عليه الحساب ، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يُحب ، فإذا بلغ سبعين سنة أحبه الله وأحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين قَبِل الله حسناته وتجاوز عن سيئاته ، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمِّي أسير الله في أرضه وشفع لأهل بيته )) ([92])، وعن عبدالله بن بسر قال : أتى النبي  أعرابيان فقال أحدهما : من خير الرجال يا محمد ؟ . قال النبي  : (( من طال عمره وحسن عمله ...)) الحديث ([93])، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كان رجلان من (بلي) ـ حيّ من قضاعة - أسلما مع رسول الله  ، فاستشهد أحدهما وأُخر الآخر سنة . قال طلحة بن عبيدالله - رضي الله عنه - فرأيت الجنة فرأيت المؤخر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك فأصبحت ، فذكرت ذلك للنبي  فقال رسول الله  (( أليس قد صام بعده رمضان ، وصلى ستة آلاف ركعة ، وكذا وكذا ركعة صلاة سنة )) ([94]).

وعنه - رضي الله عنه - أنَّ الرسول  قال : (( إن الله يحب أبناء السبعين ويستحي من أبناء الثمانين )) ، وقال المناوي : أي يعاملهم معاملة المستحي بأن لا يعذبهم فليس المراد حقيقة الحياء الذي هو انقباض النفس عن الرذائل  ([95]).

 

6- توقير الكبير والتشبه به سمة من سمات المجتمع المسلم :

يتصف المجتمع المسلم بصفات كريمة ، منها : توقير الكبير في السن ، وقد تواتر حثُّ رسول الله  على إكرام الكبير ، وتوقيره ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري - رحمه الله - عن أبي موسى - رضي الله عنه - أنه قال : قال رسول الله  : (( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ... )) الحديث ([96])، كما أخرج الترمذي - رحمه الله - عن أنس - رضي الله عنه - قال : جاء شيخ يريد النبي  فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له ، فقال النبي  : (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا )) ([97])، وذكر بعض العلماء أن مقتضى هذه الصيغة وهي قول الشارع عليه الصلاة والسلام (( ليس منا .. )) التحريم ، ومن العلماء من جعلها كبيرة ([98]).

 وأخرج الإمام أحمد -رحمه الله - عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال (( ... جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله  يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله  . فقال رسول الله  لأبي بكر : لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه ... )) الحديث ([99]).وفي الحديث أن رسول الله  قال : ((خير شبابكم من تشبه بكهولكم ... )) الحديث ([100]  ويُروى عن رسول الله  أنه قال : (( إن الله يحب ابن العشرين إذا كان شبيه ابن الثمانين ... )) الحديث ([101]).

وذكر ابن حجر - رحمه الله - في الفتح حديثاً فيه توجيه إلهي كريم باحترام الأكابر وتقديرهم وهو قول الرسول  : (( أمرني جبريل أن أقدم الأكابر )) ([102]). كما أورد الهيثمي عن معاذ بن جبل أن رسول الله  قال : ((إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه )) ([103]). وروى الصنعاني في المصنف عن طاووس عن أبيه قال : ( من السنة أن يوقّر أربعة : العالم ، وذو الشيبة ، والسلطان ، والوالد ... ) ([104])، وتأكيداً لذلك عقد البخاري - رحمه الله - ثلاثة أبواب في كتابه الأدب المفرد وهي : ( باب فضل الكبير ) ، و ( باب إجلال الكبير ) ، و ( باب يبدأ الأكبر بالكلام والسؤال ) .

 

7- المسنُّ ذو الشيبة المسلم له منزلة ومكانة متميزة في الإسلام :

وذلك بما ألبسه الله من ثياب الوقار بشيبه ، فلقد روى كعب بن مرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله  يقول : (( من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة )) الحديث ([105])، وعن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: قال رسول  : (( إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ...)) الحديث ([106])، كما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - أنه قال : نهي رسول الله  عن نتف الشيب ، وقال : (( هو نور المؤمن )) ، وقال : (( ما شاب رجل في الإسلام شيبة إلا رفعه الله بها درجة ، ومحيت عنه بها سيئة وكتبت له بها حسنة )) ([107]). وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب - رحمه الله - أنه قال : (( كان إبراهيم - عليه السلام - أول الناس ضيَّف الضيف ، وأول الناس اختتن ، وأول الناس قصَّ الشارب ، وأول الناس رأى الشيب فقال : يارب ما هذا ؟ فقال الله تبارك وتعالى : وقار يا إبراهيم ، فقال : يارب زدني وقاراً))([108]).

وقد تقدم حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال: (( ما من مُعمَّر يعمَّر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلايا ، الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ خمسين سنة ليَّن الله عليه الحساب ، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يُحب ، فإذا بلغ سبعين سنة أحبه الله وأحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيئاته ، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وسُمي أسير الله في أرضه ، وشفَّع لأهل بيته )) ([109]). كما روى أنس -  رضي الله عنه - أيضاً - عنه  أنه قال : (( يقول الله تبارك وتعالى : [ إني لأستحي من عبدي وأمتي فتشيب لحية عبدي ورأس أمتي في الإسلام أعذبها بعد ذلك ] )) ([110]). وعنه - رضي الله عنه - أنه قال : (( لقد قبض الله عز وجل رسوله وما فضحه بالشيب ، ما كان في رأسه ولحيته يوم مات ثلاثون شعرة بيضاء ، وقيل له : أفضيحة هو ؟ قال أما أنتم فتعدونه فضيحة وأما نحن فكنا نعده زيناً )) ([111]).

 

8- وجوب تقديم الرعاية الشاملة للمُسنّ من قبل الدولة :

ذلك أن المُسِنَّ يدخل ضمن الرعية التي يُعَدُّ إمام المسلمين راعياً لهم ومسؤولاً عنهم ، كما في حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه سمع رسول الله  يقول : (( كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ... )) الحديث ([112]) ، وهذه المسؤولية التي تلزم إمام المسلمين تجاه رعيته ومن بينهم المسنِّين ، هي مسئولية شاملة لجوانب الرعاية كلها وما تحمله من وجوه ومعانٍ فالرعاية اقتصادية ، واجتماعية ، وطبية ، ونفسية .... إلخ ، فعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله  يقول : (( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية ، فلم يُحطها بنصحه ، إلا لم يجد رائحة الجنة )) ([113]). ومعنى (لم يحطها) : لم يتعهد أمرها ويحفظها .

وفي صحيح مسلم أن رسول الله  قال : (( ما من أمير يلي أمر المسلمين لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة )) ([114]). كما أن ولي أمر المسلمين هو المسؤول الأول والأخير عن الضعفاء في المجتمع ، فقد روى جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( من ترك مالاً فلورثته ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً([115]) فعَليَّ وإليَّ وأنا أولى بالمؤمنين )) ([116]).

وبعد فهذه أبرز الأسس التي تنطلق منها جميع أوجه الرعاية المُقَدَّمَة للمسنِّين في الإسلام وتقوم عليها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً :

 رعاية الوالدين باعتبارها مظهر من مظاهر رعاية المسنِّين

 

لقد أوصى الله بالوالدين خيراً ، وأمر ببرِّهما وجعل الإحسان إليهما قرين عبادته ، قال تعالى : { وَقَضَى رَبُكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..... } [ الإسراء : 23 ] ، كما جعل شكره قريناً لشكر الوالدين ، قال تعالى : { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَاُلُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [ لقمان : 14 ] ، وفي جعل الشكر لهما مقترناً بالشكر لله دلالة على أن حقَّهما من أعظم الحقوق على الولد وأكبرها وأشدها ([117])، وعكس ذلك فقد جعل الشرك قرين العقوق لهما ، فلقد روى أنس - رضي الله عنه - أن الكبائر ذُكرت عند رسول الله  فقال : (( الشرك بالله ، وقتل النفس ، وعقوق الوالدين ...)) ([118]).

ولقد نهى الله عز وجل عن نهرهما بأدنى الكلمات ، وهي : أف ، ونقل السيوطي عن الديلمي أن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال : (( لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من أف لحرّمه )) ([119]). ولقد أتى بِرُّ الوالدين في المرتبة الثانية بعد الصلاة في محبة الله، لِما رواه ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (( سألت رسول الله  : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها  . قال ثمَّ أي ؟ قال : ثمَّ بر الوالدين . قال : ثمَّ أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله))([120]).

والوالدان هما مفتاح الجنة للابن فببرهما يدخل الجنة وبخاصة من أدرك أبويه عند الكبر ، لما أخرجه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( رغم أنفه ، ثمَّ رغم أنفه ، ثمَّ رغم أنفه . قيل مَنْ يارسول الله ؟ قال : من أدرك والديه عنده الكبر أحدهما أو كليهما ثمَّ لم يدخل الجنة )) ([121]).

ولقد قدَّمَ الرسول  برهما على الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام ، فعن عبدالله بن عمرو -  رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي  يستأذنه في الجهاد فقال : (( أحيّ والداك ؟ قال نعم . قال : ففيهما فجاهد )) ([122]).

ثمَّ جعل الله تعالى رضاه في رضا الوالدين ، وسخطه في سخطهما ، قال الرسول  : (( رضا الرب في رضا الوالد ، وسخط الرب في سخط الوالد))([123])، بل جعل للوالد حرية التصرف في مال الابن أخذاً من حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - : (( أن رجلاً قال : يا رسول الله : إن لي مالاً وولداً ، وإن أبي يريد أن يجتاح - يستأصل - مالي ، فقال رسول الله  : أنت ومالك لأبيك )) ([124])، قال الترمذي : (( والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي  وغيرهم ، قالوا : إن يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذ ما يشاء ، وقال بعضهم : لا يأخذ من ماله إلا عند الحاجة إليه )) أهـ ([125]).

ولقد بين الرسول  أن بر الوالدين سبب لإطالة العمر وزيادة الرزق، أخرج أحمد في المسند عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( من أحبَّ أن يُمد له في عمره وأن يزاد له في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه )) ([126])، ومهما بذل الإنسان من عمل فلن يجزي والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه ويعتقه كما أخبر بذلك الرسول  ([127]).

ويؤكد ذلك ما ذكره ابن حجر : أن سليمان بن بريدة روى عن أبيه - رضي الله عنه - : أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها ، فسأل النبي  : هل أديت حقها ؟ قال : (( ولا بزفرة واحدة )) ([128])، وعند البخاري في الأدب المفرد أن الذي أجاب السائل هو ابن عمر - رضي الله عنهما - وليس الرسول  ([129]).

إن بر الوالدين لا يقتصر على الوالد المسلم أو الأم المسلمة ، بل الابن مطالب ببرهما حتى وإن كانا كافرين ، وليس هذا فحسب ، بل وإن جاهداه ليشرك بالله فعليه واجب برهما من غير طاعة لهما في الشرك . روى الإمام مسلم في صحيحه عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص : أنه نزل فيه آيات من القرآن قال : حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ، و لا تأكل ولا تشرب ، قالت : زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا ، قال : فمكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد ، فقام ابن لها يقال له عمارة ، فسقاها ، فجعلت تدعو على سعد ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية { ووصينا الإنسان بوالديه حُسناً . وإن جاهداك على أن تشرك بي.... } وفيها : {وصاحبهما في الدنيا معروفا } .. الحديث ([130]).

وهذه أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - تقدم عليها أمها ( قتيلة بنت عبدالعُزَّى ) وهي كافرة ، فتستفتي رسول الله   قائلة له : (( إن أمي قدمت وهي راغبة )) ، وفي رواية : (( وهي راغمة )) - أي : ساخطة وكارهة للإسلام - (( أفأصل أمي ؟ قال : نعم . صلي أمك )) ([131]). ونزل قوله تعالى { لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِيَن لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّيِنِ ... الآية } [ الممتحنة : 8 ] .

ولا يمنع كُفر الوالدين برَّ الأبناء بهما ، ولا حتى نفاق الوالدين وهو أشد من الكفر ، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - : (( أن رسول الله  مرّ على عبدالله بن أبي سلول وهو في ظل ، فقال : غبَّر علينا ابن أبي كبشة . فقال ابنه عبدالله بن عبدالله : والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك برأسه . فقال رسول الله  : لا . ولكن برّ أباك وأحسن صحبته )) ([132]).

ويستمر البرُّ بالوالدين الكافرين حتى بعد مماتهما فعن علي - رضي الله عنه - أنه أتى النبي  فقال : إن أبا طالب مات . فقال له  (( اذهب فواره )) . فقال : إنه مات مشركاً ، فقال : (( اذهب فواره ... )) وفي الحديث أن عليّا - رضي الله عنه - عاد إلى رسول الله  بعد ما واراه ، فدعا له الرسول  ([133])، وأخذاً من هذا الحديث فإنه يشرع للمسلم أن يتولى دفن قريبه المشرك ، وأن ذلك لا ينافي بغضه إياه لشركه ، ودفن الولد أبيه المشرك أو أمه المشركة هو آخر ما يملكه الولد من حسن صحبة الوالد المشرك في الدنيا ([134]).

والأمر ببرِّ الوالدين ليس مختصاً بهذه الأمة الإسلامية ، بل هو مما كُتب على السابقين وما ذلك إلا لأهميته ووجوبه ، قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... } الآية [ البقرة : 83 ] .

ولقد تمثَّل المسلمون تلك التوجيهات وتعدَّدت قصصهم في ذلك فهذا محمد بن المنكدر - رحمة الله - يقول : ( بات عمر أخي يصلي وبت أغمز رجل أمي ، وما أحب أن ليلتي بليلته ) ([135])، فلقد فضّل تغميز قدميّ أمه على قيام الليل، وما ذلك إلا لفقهه رحمه الله .

وأخرج عبدالرزاق في ( المصنف ) عن طاووس قال : ( كان رجل له أربعة بنين فمرض ، فقال أحدهم : إما أن تمرضوه ، وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء ، قالوا : بل مرّضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرّضه حتى مات ، ولم يأخذ من ماله شيئاً ) ([136]). فلقد تنازل عن نصيبه من الميراث حتى يضمن قيامه بآخر حق لوالده عليه .

والمرأة التي غفر الله لها كما أخبر بذلك الرسول  إنما كان بسبب برها بوالديها ، ذلك أنه كان لها أم عجوز كبيرة فجاءهم النذير أن العدو يريد أن يغير عليكم الليلة ، فارتحلوا ليلحقوا بعظيم قومهم ولم يكن معها ما تحتمل عليه ، فعمدت إلى أمها ، فجعلت تحملها على ظهرها ، فإذا أعيت وضعتها ، ثمَّ ألصقت بطنها ببطن أمها ، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت فغفر الله لها ([137]).

وعلى كل حال فما سبق من الآثار والأحاديث في بر الوالدين يتضح لنا أمراً جلياً آخر مصاحب للبر وهو أن كل هذه الرعاية التي تقدم للوالدين يمكننا أن نعدها مظهراً من مظاهر رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم ، إذ الغالب الأعم أن الوالدين كبيران في السن ، فإلى جانب البر الذي أمر الله به للوالدين نجد هناك رعاية للمسن في المجتمع ، وهذا النوع من أظهر أنواع رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم لوجوده في غالب أُسره .

ولقد دلَّس الشيطان على بعض الأبناء وأوحى إليهم أن الرعاية التي تقدمها الدولة أو الجمعيات الخيرية من خلال دور رعاية المسنِّين أفضل وأشمل من الرعاية التي يقدمها الأبناء ، وبخاصة إذا كان الابن فقيراً ، ومن هنا يسوغ له أن يودعهما الدار أو أحدهما براً بهما وخدمة لهما حسب ظنه .... ، ولقد صدرت الفتوى بعدم جواز التخلِّي عن الوالدين أو أحدهما بحجة أن الخدمة التي تقدمها الدولة لهم من خلال دور رعاية المسنِّين أفضل وأشمل من الخدمة والرعاية التي قد يقدمها لهما الأبناء في المنزل بسبب فقر الأبناء ، لأن ولاية الدولة ولاية عامة ،  وولاية الولد ولاية خاصة ، وهذه الولاية الخاصة أوجب وألزم من الولاية العامة([138]).

 


ثالثاً : رعاية صديق الوالدين بوصفهما مظهراً من مظاهر رعاية المسنِّين في الإسلام

 

لقد أوصى الإسلام ببر الوالدين في حياتهما ، كما فتح باب البر حتى بعد وفاتهما ، وجعل من أبواب برهما صلة صديقهما بعد وفاتهما ، فلقد روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله  قال : ((من البر أن تصل صديق أبيك )) ([139])، بل عده الرسول  من أبرِّ البر، أخرج الإمام مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله  قال : (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ودِّ أبيه )) ([140])، وإضافة إلى كونها صلة لصديق الأب فهي إكرام لصديق الوالدين أيضاً ، وهذه خصلة زائدة على الصلة ، فلقد روى البخاري أن أبا أسيد - رضي الله عنه - قال : (( كنا عند النبي  فقال رجل : يا رسول الله : هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما ؟ قال : نعم . خصال أربع : الدعاء لهما، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما .... )) الحديث ([141]).

وهذا أمر صريح من الرسول  بحفظ ودّ الأب ؛ ولذا حذر من قطعه بالعقوبة فقال  : (( احفظ ودّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك )) ([142]) ، والأمر بصلة صديق الأب كان في شرع مَنْ قبلنا ، فلقد أخرج البخاري أن عمرو بن عثمان كان جالساً في مسجد المدينة فمر به عبدالله بن سلام متكئاً على ابن أخيه ، فنفذ من المجلس ، ثمَّ عطف عليه فرجع عليهم ، وقال : ما شئت عمرو بن عثمان - مرتين أو ثلاثاً - فوالذي بعث محمداً  بالحق ، إنه لفي كتاب الله عز وجل - التوراة - مرتين : ( لا تقطع من كان يصل أباك فيطفأ بذلك نورك ) ([143]).

ولقد تمثل المجتمع الإسلامي الأول ذلك البر وتعامل معه واقعاً عملياً وتطبيقياً فيروي لنا الإمام مسلم في صحيحه أن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا خرج إلى مكة له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة ، وعمامة يشدّ بها رأسه ، فبينما هو يوماً على ذلك الحمار ، إذ مر به أعرابي فقال : ألست ابن فلان ابن فلان ؟ قال : بلى . فأعطاه الحمار ، وقال : اركب هذا ، والعمامة قال : اشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه : غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تتروح عليه ، وعمامة كنت تشد بها رأسك ، فقال : إني سمعت رسول الله  يقول : (( إن من أبر البر صلة الرجل أهل ودِّ أبيه بعد أن يولي  وإن أباه كان صديقاً لعمر - رضي الله عنه - )) ([144]).

وبلغ بهم الأمر أن يسافر أحدهم ليصل أصدقاء أبيه ، ففي المسند أن يوسف بن عبدالله بن سلام قال : (( أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قُبض فيه ، فقال لي : يا ابن أخي : ما أعمدك إلى هذا البلد ؟ أو ما جاء بك ؟ قال : قلت : لا . إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبدالله بن سلام .... )) ([145]).

وها هو عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - يكرّر الأمر مع أبي بردة ، فعن هدبة بن خالد عن أبي بردة قال : قدمت المدينة فأتاني عبدالله بن عمر فقال : أتدري لم أتيتك ؟ قال : قلت : لا . قال : سمعت رسول الله  يقول : (( من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده ))، وأنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وودٌّ ([146]) ، فأحببت أن أصل ذلك .

إن رعاية المسنِّين قد لا تبدو ظاهرة من هذه الآثار ، ولكن بتأمل بعض جوانبها يتضح لنا ذلك ، فمما لا شك فيه أن صديق الوالدين في الغالب الأعم كبير السن ، فعندما يقوم المسلم بصلة صديق والديه وإكرامه فهو في حقيقة الأمر قام برعاية لمسن في المجتمع ، إلى جانب بره بوالديه  ، وهذه إحدى صور البر الرائعة في المجتمع المسلم ، والتي تساعد أفراد المجتمع على القيام بدمج المسن في المجتمع ، كما يؤدي ذلك إلى القضاء على العزلة التي قد يمر بها كبير السن أو يشعر بها ، وبهذا التوجيه الكريم استطاع الإسلام أن يخفف من آثار التغيرات الاجتماعية التي يمر بها المسنُّ والتي ذكرت في الفصل السابق ، وليس هذا فحسب بل والتغيرات النفسية ، لأن بينهما علاقة تأثيرية متبادلة كما ذُكر .

فحين يزور أفراد المجتمع أصدقاء آبائهم فهم بذلك يبرُّوا آباءهم، وذلك يعني أن الجيل المتوسط في المجتمع قد ارتبط تلقائياً بجيل كبار السن ، وأصبح المِسنُّون جزءً لا يتجزأ من المجتمع بخلاف ما يحدث في المجتمعات غير المسلمة ، إذ تطالعنا الأخبار بين حين وآخر عما يحدث لبعض المسنِّين هناك ، فهذا مسنٌّ يبقى متوفياً داخل شقته لمدة أربع سنوات ولم تكتشف جثته إلا صدفة ([147]). أترى لو كان أبناء أصدقائه يزورونه ويصلونه هل سيصل إلى هذه الحالة ؟!! وهذا تقرير يصدر عن وزارة الأسرة والشبيبة والكهولة في ألمانيا جاء فيه : أن هناك (440 ) ألف مسنّ تعرضوا لإيذاء جسدي ومعاملة سيئة مرة واحدة على الأقل عام 1993م ([148]) ، والغريب في الأمر أن ذلك الإيذاء صادر من أفراد الأسرة وليس من أغراب ، فهل ينتظر من أفراد الأسرة تلك صلة صديق والدها ؟

وهذه عجوز تموت جوعاً في شقتها بسبب ابنها الذي قطع عنها الماء والكهرباء والغاز ، وأصبحت رهينة شقتها عاجزة عن الحركة حتى اكتشف الجيران أمرها ، ولكن بعد فوات الأوان ! ويضيف الخبر أن أقرباء المسنَّة لم يبدوا أيَّ اهتمام تجاه الأمر ([149]) !!

ولا يقتصر الأمر على العالم الغربي فحسب ! بل حتى العالم الشرقي عمّه هذا البلاء ، فقد ذكرت مجلة ( فوكوس ) اليابانية أنه  عُثر على جثّة مسن بعد مضي سنة ونصف من وفاته في شقته بأحد الأحياء الراقية جداً في مدينة طوكيو ، وهذه مسنة عثر عليها في شقتها بمدينة طوكيو  وقد ماتت جوعاً ، وأشدها غرابة ذلك العجوز الذي توفي وقد تجاوز عمره التسعين عاماً ، إلا أن أحداً لم يدر بموته إلا بعد خمسة أيام ، ومبعث الاستغراب أنه مات في دار خاصة بالمسنِّين في مدينة (سابور ) بجزيرة ( هوكايدو ) باليابان ولم يشعر العاملون بموته رغم وجوده في دار خاصة برعايته والعناية به !!! ، وقد علم بوفاته بعض أفراد عائلته عندما جاؤا لزيارته ، فيا ترى كم كان سيبقى وهو جثة هامدة في دار المسنِّين لو تأخرت عائلته عن زيارته ؟ ([150]).

 


 

رابعاً : رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم

 

للمسنّ مكانته المتميزة في المجتمع المسلم ، فهو يتعامل معه بكل توقير واحترام ، يحدوه في ذلك قول الرسول  (( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا )) ([151])، ويظهر ذلك التوقير والاحترام في العديد من الممارسات العملية في حياة المجتمع المسلم ، وجميع هذه الممارسات لها أصل شرعي ، بل فيها حث وتوجيه نبوي فضلاً عن ممارساته  مع المسنِّين وتوجيه أصحابه نحو العناية بالمسنِّين ، وتوقيرهم واحترامهم وتقديمهم في أمور كثيرة ، فها هو  يأمر خادمه أنساً - رضي الله عنه - صراحة بذلك ففي الحديث : (( يا أنس ارحم الصغير ووقر الكبير ... )) الحديث ([152])، وفي إلقاء السلام أمر  أن (( يسلم الصغير على الكبير ... )) الحديث ([153]) ، وأن يبدأ الصغير بالتحية ويلقيها على الكبير احتراماً وتقديراً له . وفي الكلام أمر  ، ألا يتكلم الصغير في أمر دون الكبير ، روى رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا في النخل ، فقتل عبدالله بن سهل فجاء عبدالرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة أبناء مسعود إلى النبي  فتكلموا في أمر صاحبهما فبدأ عبدالرحمن وكان أصغر القوم ، فقال النبي  : (( كبر الكُبَر . قال يحيى - أحد رواة الحديث - يعني ليلي الكلام الأكبر ... )) الحديث ([154]) ففي هذا الحديث إرشاد إلى الأدب في تقديم كبار السن في الحديث .

ولقد أمر  أن يُبدأ بتقديم الشرب للأكابر ففي الحديث أن رسول الله  إذا سُقي قال : (( أبدؤا بالكبراء أو قال : بالأكابر ([155]) ، ولقد مارس ذلك  عملياً تقول عائشة - رضي الله عنها - : (( كان يستنُّ وعنده رجلان فأوحى إليه : أن أعطِ السواك الأكبر ([156]) وقال ابن بطال : فيه تقديم ذي السن في السواك ، ويلحق به الطعام والشراب والمشي والكلام )) ([157]) .

وفي فعله  عندما أتاه عيينة بن حصن وعنده أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - وهم جلوس جميعاً على الأرض فيدعوا لعيينة بنمرقة - وسادة - فأجلسه عليها ، وقال : (( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه )) ، وفي رواية أخرى : ((إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه )) ([158])، وعند الحاكم أن رسول الله  كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ، ويشهد جنائزهم ([159]) ، ولا شك أن المسنِّين في المجتمع هم من ضعفاء المسلمين . ولمكانة المسن ووقاره حثّ رسول الله  الشباب على التشبه بكبار السن لما لديهم من خصال لا تكون عند الشباب غالباً ، فمما روي عنه  قوله: (( خير شبابكم من تشبَّه بكهولكم ... )) ([160])، أي : التشبه في سيرتهم فإنه يغلب عليهم الوقار والحلم وهما صفتان محمودتان .

وهكذا فالمسن له مكانته في حياة الرسول  ، ولقد اتبع ذلك أصحابه - رضي الله عنهم - ومن بعدهم ، فهذا عمر الفاروق - رضي الله عنه- يتعاهد امرأة عجوزاً في بيتها ، فتورد كتب التاريخ أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج في سواد الليل ، فرآه طلحة ، فذهب عمر فدخل بيتاً ثمَّ دخل بيتاً آخر ، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت ، فإذا عجوز عمياء مقعدة . فقال لها : (( ما بال هذا الرجل الذي يأتيك ؟ قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا ، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ... )) ([161]).

وأخرج الإمام مسلم - رحمه الله - في ( الصحيح ) أن سمرة بن جندب - رضي الله عنه- كان يقول : لقد كنت على عهد رسول الله   غُلاماً، فكنت أحفظُ عنه، فما يمنعني من القول إلا أنّ ههُنا رجالاً هُم أسنُّ مني .

ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره انقياداً لتعاليم دينهم ، واتباعاً لسنة رسولهم  ، فكان الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من أشد الناس توقيراً لإخوانه ولمن هو أسن منه ، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكباً  على حماره ، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب . وقال المروزي : رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ ([162]).

وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال : (( حدثنا ابن إدريس ، عن ليث ، قال : كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال : لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك )) ([163]) ، فهذا خلقهم - رحمهم الله - فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات ؟! فذلك من باب أولى ، وروى الحسن بن منصور قال : كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يوماً نعود مريضاً فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق ، وقال ليحيى : تقدم أنت ، قال : يا أبا زكريا أنت أكبر مني ([164]).

وتتوالى الوصايا من الآباء إلى الأبناء بامتثال ذلك الخلق والحث على التحلي به وعدم التفريط فيه . فهذا البخاري يروي أن قيس بن عاصم السعدي أوصى بنيه حين حضرته الوفاة وصية طويلة جاء فيها : ( ... وسودوا أكابركم ؛ فإنكم إذا سودتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة ، وإذا سودتم أصاغركم هان أكابركم على الناس ، وزهدوا فيكم ... ) ([165]) . بل وصل بهم الأمر إلى التشديد في هذه المسألة ، حتى بلغ بهم إلى الهجر لمن لا يوقر الكبير ، فلقد رأى إبراهيم بن سعد شباباً قد تقدموا على المشايخ فقال : ما أسوأ أدبكم ، لا أحدثكم سنة ([166]).

ولا شك أن مقتضى التوقير والاحترام للمسنِّين في المجتمع المسلم الاستفادة من خبرتهم وحكمتهم وتجاربهم في الحياة ، لذلك قام الإمام أبو حاتم السجستاني ( ت235هـ ) ، بتأليف كتاب سماه : ( المعمّرين من العرب ) جمع فيه أخبار أكثر من ( 100 ) معمّر من العرب ، أورد على لسانهم بعض الحكم وتجارب الحياة الطويلة التي مرت عليهم ، وبعض القصائد والأبيات الشعرية في الحياة الطويلة وما يمر على الإنسان فيها ([167]).

ولقد تشرب المجتمع المسلم ذلك الطبع وهذا الاحترام والتوقير لكبار السن ، وأصبح سمة من سماته ، فلا تكاد تجد كتاب حديث ، أو زهد ، أو توجيهات ، أو نصح إلا ويعقد فيه باب أو أكثر عن توقير الكبير ، أو تسويده ، أو احترامه ، أو إكرامه ، بل وضعوا قواعد لذلك ، فيقرر ابن عقيل أن من مشى مع إنسان أكبر منه فيمشي عن يمينه يقيمه مقام الإمام في الصلاة ، وإن كانوا جماعة فيستحب مشي الجماعة خلف الكبير ([168]).

وامتد ذلك التقدير والتقديم لكبار السن حتى في كتابة الأحاديث وترتيب المسانيد حين تأليف الكتب ، فها هو بقيّ بن مخلد - رحمه الله - ( ت276هـ ) يقول : لما وضعت (( مسندي )) جاءني عبيدالله بن يحيى وأخوه إسحاق ؛ فقالا : بلغنا أنك وضعت (( مسنداً )) قدمت فيه أبا مصعب الزهري ويحيى بن بكير وأخرت أبانا ؟ فقال : أما تقديمي أبا مصعب ؛ فلقول رسول الله  : ((قدموا قريشاً ولا تقدموها )) وأما تقديمي ابن بكير ؛ فلقول رسول الله  : (( كبّر كبّر )) ([169]) ، يريد السنة ومع أنه سمع (( الموطأ )) من مالك سبع عشرة مرة، وأبوكما لم يسمعه إلا مرة واحدة ، قال : (( فخرجا ولم يعودا )) ([170]).

إذاً فالمسنُّ في المجتمع المسلم يعيش في كنف أفراده ، ويجد له معاملة خاصة تتميز عن الآخرين ، ولم تقتصر هذه الرعاية والعناية على المسن المسلم ، بل امتدت يد الرعاية لتشمل غير المسلم طالما أنه يعيش بين ظهراني المسلمين.

فها هي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر - رضي الله عنه- مع ذلك الشيخ اليهودي الكبير ، فيذكر أبو يوسف في كتابه الخراج (( أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مر بباب قوم وعليه سائل يسأل ، شيخ كبير ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه فقال : من أيّ أهل الكتب أنت ؟ قال : يهودي. قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : أسأل الجزية والحاجة والسن . قال : فأخذ عمر - رضي الله عنه - بيده فذهب به إلى منزله ، فرضخ له - أي أعطاه- من المنزل بشيء ثمَّ أرسل إلى خازن بيت المال فقال : انظر هذا وضرباءه ، فوالله ما أنصفناه إذا أكلنا شبيبته ثمَّ نخذله عند الهرم ، (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين )) فالفقراء هم المسلمون والمساكين من أهل الكتاب ، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه )) ([171]).

وهذا خالد بن الوليد من بعد عمر - رضي الله عنهما - يمارس دوره في رعاية المسنِّين ويعطيهم حقهم من الرعاية والعناية في المجتمع ، حتى وإن لم يكونوا مسلمين، فلقد صالح أهل الحيرة ، وجاء في صلحه معهم أنه قال : (( وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحت جزيته وعيل من بيت المسلمين ... )) ([172]).

ومن بعد خالد بن الوليد - رضي الله عنه - يسير عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله - في ذلك الركب المبارك ويؤدي دوره الرعوي نحو رعيته فها هو يكتب لعامله عدي بن أرطأة في رسالة طويلة ما نصه : (( ... وانظر مَنْ قبلك من أهل الذمَّة من قد كبرت سنه وضعفت قوته ، وولت عنه المكاسب فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه ... )) ([173]) . ولقد قرر أبو يوسف في كتابه ( الخراج ) أن الجزية لا تؤخذ من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل ، ولا شيء له ([174]) .

وإضافة لتلك الرعاية الخاصة يمكننا أن نلمس صوراً من الرعاية العامة للمسنِّين ، وذلك حينما تعجز الأسر عن تقديم الرعاية اللازمة للمسن ، أو حينما لا يكون هناك ثمة راعٍ أو معين لذلك المسن ، فلقد برز في المجتمع المسلم ما يسمى ( بالأربطة ) وهي أماكن تُهيَّأ وتُعد لسكنى المحتاجين ، وأصبح بعضها ملاجئ مستديمة لكبار السن ([175]) ، فالأصل هو رعاية المسن في أسرته فهو قربة لله عز وجل ثمَّ الفرع وهو ظهور هذه المؤسسات الاجتماعية مثل : الأربطة ، والأوقاف : والدور الاجتماعية ، وهي في نبعها جهود شعبية من أفراد المجتمع المسلم ، ثمَّ دخلت الدولة في تنظيمها والإشراف عليها .

وفي الوقت الذي كان المسن يجد فيه كل تقدير واحترام ورعاية وتوقير في المجتمع المسلم ، وبتوجيه من دينه الحنيف ، وتأييد من رسوله العظيم  نجد أن المسن يعيش في حالة متردية في بعض الحضارات الأخرى . فها هو أفلاطون مثلاً يرى أن (( العناية يجب أن توجه إلى أصحاب الأجسام السوية ، والعقول القوية ، وأما ما عداهم فيهملون ليكون نصيبهم الموت)) ([176]).

ولقد استمد بعض علماء الغرب ومفكريهم في عصرنا الحالي هذا الرأي من أفلاطون . فنرى مستشار الرئيس الفرنسي السابق يقترح في إحدى الدراسات ألاّ يعطى الشيوخ علاجاً طبياً مكثفاً إذا تجاوز سناً معينة من أجل التعجيل بوفاته ، وها هي إحدى المستشفيات الدنمركية ترفض استقبال المرضى المسنِّين لأن إقامتهم في المستشفى قد تطول ، ويجب أن تعطى أولوية العلاج للعاملين الذين يسهمون في تمويل صناديق الرعاية بما يدفعونه من ضرائب ، فقيمة الإنسان لديهم ليست في ذاته وإنما في قدرته على الإنتاج وطاقته الإنتاجية ، فهو عندهم أشبه ما يكون بـ(الآلة) ([177]).

لذلك لا عجب أن تجد الدراسات حول سوء معاملة المسنِّين في الغرب قد تزايدت مؤخراً ، بل بدأت تأخذ فصولاً عديدة في القانون الأمريكي ، وأصبحت قضاياهم تمثل نسبة مرتفعة من الدعاوى في المحاكم الجزائية ، فمع بداية عام 1985م قامت عدة ولايات أمريكية بسنِّ القوانين التي تتعلق بسوء معاملة المسنِّين واعتبرت المسيء إلى المسنِّين بالضرب أو منع الطعام بمثابة المخل بالقانون ([178]) ، وهذا أدى بدوره إلى تزايد ظاهرة إنشاء مساكن للمسنِّين في عدد من الدول الغربية لاستنقاذهم من الإهمال الذي قد يجدونه من أسرهم ([179]).

وبلغ الأمر إلى أن ( مجلس مراكز الرعاية في المملكة المتحدة ) تلقى عام 1995م ( 805 ) شكوى عن اعتداءات على المسنِّين من قبل الممرضات العاملات في مراكز العجزة ، وقد أدان المجلس (96) ممرضة بسبب سوء معاملتهن للمسنِّين ، كما وصف المجلس بعض هذه الاعتداءات بأنها إرهابية ومروعة ووحشية ، بل وصف التقرير بعض مراكز العجزة في بريطانيا بأنها : ( معسكرات يتعرض فيها كبار السن للإرهاب ) ([180]).


 

خامساً :

رعاية المسنِّين في الحروب من قبل الجيوش المسلمة

 

لم يعرف العالم الحديث آداب الحرب إلا في القرن الماضي ، في حين جاء بها الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، ولم تظهر معاهدة رسمية حول آداب الحرب إلا في عام 1856م ، والتي تسمى ( تصريح باريس البحري ) ، ثمَّ توالت الاتفاقات وأبرزها اتفاقات جنيف التي دوّنت عام 1949م والخاصة بمعاملة جرحى وأسرى الحرب ، وحماية الأشخاص المدنيين ، ورغم وجود هذه المعاهدة فإنها لا تطبق إلا في حالة قيام الحرب بين دولتين موقعتين على المعاهدة ([181]).

أما في الإسلام فكانت هذه الآداب الحربية تطبق ابتداءً ، حتى ولو لم يكن هناك أية اتفاقات أو معاهدات ، فها هي سرايا رسول الله  تنطلق يمنة ويسرة ناشرة الخير والنور ، ولقد اشتملت وصاياه  وخلفائه من بعده إلى الجيوش على عدد من التوجيهات والوصايا وشملت جوانب عدة منها : العناية بالشيوخ وكبار السن والاهتمام بهم وعدم قتلهم أو التعرض لهم .

روى الطبراني عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : (( كان رسول الله  إذا بعث جيشاً أو سرية دعا صاحبهم ، فأمره بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ، ثمَّ قال : اغزوا بسم الله ، وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغلوا وتغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليداً ولا شيخاً كبيراً ... )) الحديث([182]).

ويتضح من نص الحديث أن ذلك كان ديدنه  في كل غزوة أو سرية ، ولم تكن محض صدفة أو مقولة يتيمة خرجت من فيّ رسول الله  فالراوي يقول : ( كان رسول الله  إذا بعث جيشاً أو سرية... ) فاللفظ يدل على تكرار ذلك الفعل منه  ، وروى البيهقي عن خالد بن زيد - رضي الله عنه - أنه قال : (( خرج رسول الله  مشيعاً لأهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع ، فوقف ووقفوا حوله ، فقال : اغزوا باسم الله فقاتلوا عدوّ الله وعدوكم .... ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ضرماً ولا كبيراً فانياً ، ولا تقطعن شجرة ، ولا تعقـرن نخـلاً ، ولا تهدمـوا بيتـــاً )) ([183]).

ولم يتوقف الأمر على وصية من رسول الله  أو حث على عدم قتل الشيوخ فحسب ، بل هدد من قتل شيخاً أنه لن يسلم من تبعة ذلك الفعل ، فعن ثوبان - رضي الله عنه - مولى رسول الله  أنه سمع رسول الله  يقول: (( من قتل صغيراً أو كبيراً أو أحرق نخلاً أو قطع شجرة مثمرة أو ذبح شاة لإهابها لم يرجع كفافاً )) ([184]).

ولا يتنافى هذا مع حديث الرسول  الذي يرويه أبو داود عن سمرة ابن جندب - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا أشرافهم )) ([185]) وفي لفظ : (( استبقوا شرخهم )) والشرخ : الغلمان الذين لم ينبتوا ، فقتل الشيخ من المشركين محمول على أنه إذا كان يقدر على القتال ويقاتل ضد المسلمين أما من كان منهم لا يطيق القتال ولا ينتفع به في رأي فلا يقتل ، وعليه يحمل حديث منع القتل وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء ([186]).

ولقد اقتدى الخلفاء الراشدون بهدي رسول الله  في عدم التعرض للمسنِّين في الحرب ، فهذا الصديق - رضي الله عنه - يوصي أسامة بن زيد - رضي الله عنه - حين بعثه إلى الشام إنفاذاً لأمر رسول الله  قبل وفاته بوصايا نفيسة هي رجع صدى لما تلقاه من الرسول  وكان مما جاء فيها : ((يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر ، فاحفظوها عني : لا تخونوا ، ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ، ولا شيخاً كبيراً ولا أمرأة ... )) الحديث ([187]).

ولم يتوقف الأمر عند هذه الغزوة أو هذا الجيش فحسب ، بل تكرر ذلك منه - رضي الله عنه - . فيروي مالك في الموطأ أن أبا بكر الصديق بعث جيوشاً إلى الشام ، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع من تلك الرباع ... ثمَّ قال : ... وإني موصيك بعشر : لا تقتل امرأة ، ولا صبياً ، ولا كبيراً هرماً ، ولا تقطعن شجراً مثمراً ، ولا تخربن عامراً ... ([188]).

وعلى الدرب نفسه سار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فلقد أوصى قادة جيشه وكان مما قاله : (( .. لا تقتلوا هرماً ، ولا امرأة ، ولا وليداً ، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان ، وعند حمة النهضات ، وفي شن الغارات .. )) ([189]).

ولا عجب أن تتوالى هذه الوصايا بالمسنِّين والحث على رعاية الشيوخ والتأكيد على قادة الجيوش بالحرص على ذلك الأمر من الرسول  ثمَّ الخلفاء الراشدين من بعده ، فالمصدر واحد والمشرب من نبع صاف هو الإسلام ذلك الدين العظيم .


 

سادساً :

بعض الأحكام الفقهية الخاصة بالمسنِّين

 

امتازت شريعة الإسلام باليسر والتخفيف على أتباعها . قال تعالى في محكم كتابه : { ... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... } [البقرة : 185 ] ، ومن المعلوم أن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها ، ولئن كان هذا لعموم المسلمين فهو لكبار السن والضعفاء بشكل أخص ، انطلاقاً من القاعدة الفقهية ( المشقة تجلب التيسير ) ، ومن هنا نجد الإسلام قد راعى في أحكامه الضعف الذي يعيشه كبير السن ، ورتب على ذلك أحكاماً خاصة بهم تتصف باليسر والتجاوز مراعاة لحالتهم الصحية والبدنية ، فنجد في بعض العبادات لهم معاملة وأحكاماً خاصة وفيما يلي عرض لها بشكل موجز :

أ-  الترخيص لكبير السن في إنابة من يحج عنه لكبر سنه وعجزه عن ذلك ، أخرج البخاري ـ رحمه الله ـ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : (( جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه ؟ قال : نعم )) ([190]) فهذه الرخصة خاصة بكبير السن دون الصغير .

ب-      الرخصة لكبير السن بالإفطار في شهر رمضان حين عجزه ، والإطعام عن كل يوم مسكيناً أخذاً من قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذيِنَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَكُمْ تَتَقُونَ + أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنُتمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة الآية 183-184 ] . وذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية : أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : نزلت هذه الآية في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثمَّ ضعف ، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً ([191]) . وأخرج البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه أن الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام يفطر ويطعم . فقد أفطر أنس - رضي الله عنه - بعد ما كبر عاماً وعامين وأطعم عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً ([192]).

ج- أمر النبي  الأئمة الذين يصلون بالناس بالتخفيف في صلاتهم مراعاة لمن خلفهم من الضعفاء وكبار السن . فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله  قال : (( إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء )) ([193]).

        كما أن الأكبر سناً مقدم في الإمامة في الصلاة إذا تساووا في قراءة القرآن . فعن مالك بن الحويرث قال : أتيت النبي  أنا وصاحب لي ، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا : (( إذا حضرت الصلاة فأذِّنا ، ثمَّ أقيما ، وليؤمّكما أكبركما )) ، وفي رواية أخرى ذكر الراوي أنهما كانا متقاربين في القراءة ([194]).

د-        الرخصة لكبير السن في القبلة والمباشرة وهو صائم ، فلا حرج عليه فيها ، بخلاف الشاب الذي يُمنع من ذلك فعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : كنا عند النبي  فجاء شاب فقال : يا رسول الله أُقبّل وأنا صائم ، قال : لا . فجاء شيخ فقال : أُقبل وأنا صائم قال : نعم . قال : فنظر بعضنا إلى بعض ، فقال رسول الله : (( قد علمت لِمَ نظر بعضكم إلى بعض ؟ إن الشيخ يملك نفسه )) ([195]) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي  عن المباشرة للصائم فرخص له ، وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ ، والذي نهاه شاب([196]).وفي الموطأ أن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - سئل عن القبلة للصائم فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب([197]) .

هـ -      الإذن للمرأة كبيرة السن في ترك الحجاب الشرعي الذي تؤمر به صغيرة السن الشابة قال تعالى : { والقواعد من النساء اللآتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم } [ النور : 60 ] قال المفسرون عند هذه الآية : إن الله رخص للمرأة الكبيرة أن تضع ثيابها عنها ، والمراد هنا ما كان على ظاهر البدن لا الثياب التي على العورة الخاصة ، فأباح الله لهن ما لم يبح لغيرهن ([198]).

و-        ذكر بعض الأئمة أن جلسة الاستراحة في الصلاة ـ وهي الجلسة التي تكون بعد الفراغ من السجدة الثانية ؛ وقبل النهوض إلى الركعة الثانية والرابعة ـ ، ذكروا أنها خاصة بمن كبر سنه وهذا قول أبي حنيفة ومالك ـ رحمهم الله ـ ، وأحمد في أحد روايتيه ([199]) ، فهذا حكم خاص بكبار السن مراعاة لضعفهم وتخفيفاً عليهم ، وذلك بعدم القيام مباشرة للركعة بل يأخذ حقه من الراحة ثمَّ يقف ليتابع الإمام ، ولقد ثبت أن الرسولكان يفعلها بعد أن بدن جسمه وكبر سنه ([200]) فعند البخاري ـ رحمه الله ـ أن مالك بن الحويرث الليثي - رضي الله عنه - قال : أنه رأى النبي  يصلي ، فإذا كان في وتر من صلاته ، لم ينهض حتى يستوي قاعداً ([201])، وكذلك فعل مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - عندما صلى بأصحابه ليريهم صلاة النبي  ، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود ، قبل أن ينهض في الركعة الأولى ([202]).

 

 

 

 

 


 

الفصل الثالث

دراسة عن المسنِّين المقيمين في دور الرعاية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية

 

أولاً : الإطار المنهجي للدراسة .

ثانياً :    رعاية المسنِّين في المملكة العربية السعودية .

ثالثاً :     وضع المسنيّن عالمياً .

رابعاً :        الدراسات السابقة .

خامساً :     الإجراءات المنهجية .

سادساً :    تحليل وتفسير البيانات .

سابعاً  :      النتائج .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولاً :  الإطار المنهجي

 

مشكلة الدراسة :

لا شك أن عدد المسنِّين قد تزايد في العالم ، وإن كان هذا التزايد يتفاوت من بلد لآخر ، إلا أن المؤكد أن ذلك التزايد في استمرار وارتفاع([203])، ويُعزى ذلك بعد تقدير الله عز وجل إلى التقدم الطبي والعناية الصحية التي يلقاها الإنسان ، ولقد أوجد هذا التزايد الحاجة إلى تقديم المزيد من العناية والاهتمام بهذه الشريحة من التركيبة السكانية التي تتنامى يوماً بعد آخر .

ولقد تعالت النداءات في الآونة الأخيرة للاهتمام بهذه الفئة ، كما بذلت جهوداً عملية لخدمتهم فظهر ما يسمى بنظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية حتى انتهى الأمر إلى تخصيص سنة دولية لهم دعت لها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982م ، ثم سنة دولية أخرى غام 1999م لبحث قضايا المسنِّين ومعالجة مشكلاتهم .

وامتدت هذه النداءات إلى المملكة العربية السعودية تزامناً مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية السريعة التي يمر بها المجتمع السعودي ، والتي نتج عنها تغير في العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة ، فتلاشى ما يسمى بالعائلة الممتدة التي كانت تضم الجد والأب والأبناء وزوجاتهم وأبنائهم في منزل واحد ، وظهر ما يعرف بالأسرة النووية التي تعني استقلال الأبناء بزوجاتهم وأبنائهم في منازل مستقلة ، وهذا قد يؤدي إلى قطع العلاقات بين صغار السن والكبار .

ولقد أظهرت الدراسات التي أجريت في بعض المجتمعات المسلمة بوادر نفرة وتقطع علاقات بين كبار السن في المجتمع وصغاره ، وبين الآباء والأبناء ([204]) كما أظهرت الصحف في المملكة العربية السعودية بعض التحقيقات الصحفية تشير فيها إلى وجود هذه الظاهرة في مجتمع المملكة العربية السعودية ، وتناولت بعض الحوادث والقصص التي تشير إلى عقوق الوالدين ومحاولة البعض التخلُّص منهم ([205]).

ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتتناول هذه الظاهرة بالدراسة ، ومحاولة تلمس إن كان ثمة تخلٍّ حقيقي من الأبناء عن والديهم ، وعلى ذلك فيمكن تحديد مشكلة الدراسة في السؤال التالي :

هل هناك تخلٍّ حقيقي من الأبناء عن الوالدين ؟ ، وهل وصل الأمر إلى مستوى الظاهرة في المجتمع السعودي ؟

 

 

تساؤلات الدراسة :

        يمكن صياغة التساؤل الرئيسي لهذه الدراسة في الاتي : هل هناك تخلي من الأبناء عن الوالدين في المجتمع السعودي ؟

ويتفرع عن التساؤل الرئيسي الأسئلة التالية :

1- ما الخصائص العامة والاجتماعية للمسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية ؟

ما أسباب دخول المسنين دور الرعاية الاجتماعية ؟

3- ما العلاقة بين المسنين المقيمين في دور الرعاية وذويهم خارج الدار ؟

4- هل هناك فروق ذات دلالة إحصائية بين المسنيّن والمسنات في متغيرات الدراسة ؟

 

أهداف الدراسة :

1- التعرُّف على الخصائص العامة والاجتماعية للمسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية . ومعرفة إن كان ثمة فروق ذات دلالة إحصائية بين المسنيّن والمسنات.

2-        التعرُّف على أسباب دخول المسنِّين دور الرعاية الاجتماعية . ومعرفة إن كان ثمة فروق ذات دلالة إحصائية بين المسنيّن والمسنات .

3- التعرف على العلاقة بين المسنين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية وذويهم . ومعرفة إن كان ثمة فروق ذات دلالة إحصائية بين المسنيّن والمسنات .

4- محاولة تلمس ان كان هناك ظاهرة تخلِّي الأبناء عن الوالدين في المجتمع السعودي.

 

 

 

 


 

ثانياً : رعاية المسنِّين في المملكة العربية السعودية

 

تتعدد مظاهر رعاية كبار السن في المملكة العربية السعودية ، وتأخذ أشكالا عدة فمنها ما يكون اقتصادياً من خلال الدعم المادي لكير السن ، وهناك رعاية اجتماعية تتمثل في محاولة دمج المسن في المسن ، وسحبه من عزلته التي قد يجدها عند كبر سنه وتقدمه في العمر ، وأخيراً هناك الرعاية الإيوائية لكبير السن ، وهذه خاصة لمن لا يوجد من يقوم برعايته من أفراد أسرته أو أقاربه الذين تلزمهم رعاية شرعاً ، وهذه الرعاية الأخيرة تنقسم إلى قسمين أثنين ، الأول : رعاية حكومية في دور الرعاية الاجتماعية . والثاني : رعاية من خلال الدور الإيوائية الملحقة في الجمعيات الخيرية .

وسنتناول بالحديث عن جميع مظاهر هذه الرعاية عبر المحاور التالية :

أ  )  الرعاية الاقتصادية للمسنين في المملكة العربية السعودية .

ب) الرعاية الاجتماعية المفتوحة للمسنين في المملكة العربية السعودية .

ج ) الرعاية الإيوائية الشاملة للمسنين في المملكة العربية السعودية .

ويمكن أن نلاحظ أن هذه الأنواع من الرعاية تتضمن توفير الحياة الكريمة للمسن ، فالرعاية الاقتصادية التي تتم عبر نظام التقاعد ، ونظام التأمينات ، والضمان الاجتماعي ، تعمل على توفير مستلزمات المسن وتوفير مستلزمات أسرته ، والرعاية الاجتماعية المفتوحة تقدم إلى المسنين الأصحاء و تؤدي إلى كسر عزلة المسن وجعله يشارك بإيجابية وباندماج متكامل مع المجتمع ، ويتم ذلك عبر المراكز الاجتماعية المفتوحة مثل : مركز الأمير سلمان الاجتماعي بالرياض . أما الرعاية الإيوائية الشاملة فتقدم لمن لا يوجد من يرعاه ، ويقدم هذا النوع من الرعاية في المؤسسات الإيوائية وهي دور الرعاية الاجتماعية الحكومية والأهلية . ومما تجدر الإشارة إليه أن الدراسات أثبتت أن الغالبية العظمى من المسنين المقيمين في دور الرعاية الاجتماعية سواء الحكومية أو الأهلية هم ممن لا عائل لهم ، ولا يوجد من أبنائهم أو من أقاربهم من يقوم برعايتهم ، ومن هنا يأتي تدخل الدولة عبر هذه الدور الاجتماعية لتقديم الرعاية الشاملة ، وهي رعاية شاملة بمعنى الكلمى كما سنرى ، حيث تشمل الرعاية الاجتماعية ، والنفسية ، والطبية ، والايوائية . وسنتناول كل نوع من هذه الأنواع من الرعاية بشيء من التفصيل كما سيأتي .


 

أ )  الرعاية الاقتصادية للمسنين في المملكة العربية السعودية .

ويقدم هذا النوع من الرعاية للمسنين في المملكة العربية السعودية عبر أنظمة ثلاثة ظهرت في المملكة منذ سنوات طويلة وهي :

1 ـ نظام التقاعد .

2 ـ نظام التأمينات .

3 ـ الضمان الاجتماعي .

وسنتحدث عن كل نظام من هذه الأنظمة بشكل مختصر يهدف إلى توضيح جوانب الرعاية فيه دون الدخول في تفاصيله الدقيقة ، إذ المقصود الإشارة لجوانب الرعاية للمسنين في المملكة العربية السعودية وعدم شرح تلك الأنظمة وكيفية تنفيذها ، إذ لها محل آخر .

ومما ينبغي ملاحظته أن كل نظام من هذه الأنظمة يخدم شريحة عريضة من قطاع المسنين ، فنظام التقاعد يغطي فئة موظفي الدولة المنخرطين في وظائف مدنية أو من كان ملتحقاً في السلك العسكري . ونظام التأمينات يغطي فئة العمال والمهنيين ، في حين يغطي نظام الضمان الاجتماعي الفئة التي لم تلتحق بعمل وهي من فئة المسنين وهذا من الشمول في الأنظمة ، بحيث تظلل مظلة الرعاية الاقتصادية أكبر قدر من كبار السن في المجتمع بمختلف فئاتهم وأعمالهم السابقة .

 

1 ـ نظام التقاعد :

يعود السبب في نشأة نظام التقاعد إلى التطور الإداري الذي حدث ، إثر تزايد عدد الموظفين المدنيين والعسكريين في الدولة ، وقد أدى ذلك التزايد في عدد الموظفين إلى إيجاد نظام يخدم هذه الفئة من العاملين في الدولة بعد بلوغهم مرحلة متقدمة من العمر أو عجزهم عن العمل ، ولقد صدر أول نظام للتقاعد في المملكة العربية السعودية عام 1364هـ، وأسندت مهام تنفيذ هذا النظام إلى وزارة المالية ([206]) .

و في عام ( 1380هـ ) صدر نظام التقاعد للعسكريين . وفي 19/2/ 1381هـ صدر نظام مستقل للموظفين المدنيين ، و أدخلت عليه عدة تعديلات مواكبة للتطور الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه المملكة العربية السعودية في عام ( 1393هـ ) وكذلك في عام ( 1403هـ ) . كما تمَّ إنشاء صندوق للتقاعد المدني وهو صندوق له ذمة مالية مستقلة وتديره مصلحة معاشات التقاعد ومهمته استثمار المخصصات التقاعدية.

ولقد راعى واضع نظام التقاعد عند إجراء التعديلات المتتالية مبادئ أساسية حددتها المذكر الإيضاحية للنظام بما يلي ([207]):

1 ـ مراعاة التوازن المالي لصندوق التقاعد .

2 ـ العمل على تحقيق أقصى حد ممكن لتأمين الموظف ومن يعوله تجاه الحاجات الاقتصادية التي تنشأ عن فقد الموظف دخله من وظيفته بانتهاء خدمته .

3 ـ مراعاة مقتضيات العدالة بإقامة نوع من التوازن بين المزايا التي يلتزم بها النظام للموظف والعائدات التي تدفع عن الموظف للصندوق التقاعد .

4 ـ مراعاة البساطة في النظام من خلال تضمينه للقواعد التي تحكم الحالات الغالبة وعدم الإغراق في التفصيلات .

ويقوم نظام التقاعد في المملكة من كونه نظام تأمين اقتصادي لمن بلغ الستين من العمر أو عجز عن العمل ، ومن هنا فهو ليس بنظام للتوفير . وهذا يعني أن الدولة ملزمة بضمان دخل للموظف الذي يترك وظيفته بسبب الكبر أو العجز ، بغض النظر عن المبالغ التي استوفها منه خلال عمله الحكومي ([208]).

ولقد حدد النظام سن التقاعد للموظفين المدنيين ببلوغ الستين من العمر كحد أقصى لوجوب الإحالة على التقاعد ، وهناك فئات مستثناة من هذا السن مثل : القضاة ، والوزراء ، وشاغلوا وظائف الإرشاد الديني ، ومرشدو القرى والبوادي ، وأئمة المساجد ، ورؤساء وأعضاء هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأمناء المكتبات ، والفراشون بالحرمين الشريفين والمساجد ، ومأذونو الانكحة ، وغسالو الموتى ، وحفاظ القرآن الكريم القائمون على تدريسه ، وشاغلوا وظائف الخوبا ورؤساؤهم ، ورؤساء الهجانة ، وقصاصو الأثر ، والعمد ([209]).

ولقد حدد نظام التقاعد كيفية صرف المستحقات التقاعدية بعد ترك الموظف للوظيفة بسبب بلوغه الستين عاماً ، بحيث يتم حسم نسبة من راتب الموظف الشهري تعادل ( 9% ) من الراتب الأساسي ، كما تخصص وزارة المالية والاقتصاد الوطني حصة مماثلة لما يؤديه الموظف ([210]). كما حدد النظام الحقوق المالية للمتقاعد وفق أسس ثلاث :

1 ـ مدة الخدمة .

2 ـ مقدار الراتب الشهري قبل التقاعد .

3 ـ أسباب الإحالة على التقاعد .

ومن هنا يتضح أن مقدار الراتب التقاعدي يتأثر بعدد سنوات الخدمة ، فكلما زادت سنوات الخدمة أدى ذلك إلى زيادة مقدار الراتب التقاعدي . ويمكن أن نلحظ هنا أن هناك مزيد تقدير لكل سنة وظيفية في حياة الموظف ، وهي تعني تقدير لكل من تقدم به العمر تقديرا مادياً يتناسب وهذا النظام . وعلى ذلك يمكن القول أن نظام التقاعد من وسائل الرعاية الاقتصادية للمسنين في المملكة العربية السعودية ، بحيث الحياة الكريمة للمسن وأسرته بعد تقدمه في العمر وعجزه عن العمل .

 

2 ـ نظام التأمينات .

يُعد نظام التأمينات الاجتماعية نظاماً اجتماعيا تكافلياً تتجسد فيه رعاية الدولة لفئة من العاملين في قطاعاتها المختلفة لتوفير الحياة الكريمة ومستقرة لهم ولأسرهم بعد بلوغهم سننا يعجزون فيها عن العمل ، ويُعد نظام التأمينات الاجتماعية مكملاً لنظام التقاعد ، فهذا النظام يغطي فئة العمال بمختلف أعمارهم ، في حين يغطي نظام التقاعد فئة الموظفين المدنيين والعسكريين . وهذا من التنوع في الرعاية التي أشرنا إليها في بداية الفصل ، بحيث تشمل الرعاية الاقتصادية للمسنين جميع فئات المسنين سواء العاملة في وظيفة مدنية ، أو عسكرية ، أو مهنية فنية ، ومن كان بدون عمل فسنجد أن نظام الضمان الاجتماعي يغطيه ويلبي حاجه المسن الاقتصادية .

ولقد أنشئت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في المملكة العربية السعودية عام 1389هـ وصدر نظامها في العام نفسه ، وهو يُطبق على جميع  العمال بشكل إلزامي دون تمييز في الجنسية ، أو الجنس ، أو السن ومهما كانت مدة العقد بين العامل ورب العمل ، أو طبيعته ، أو شكله ، ومهما كانت الأجرة  المدفوعة ، أو نوعها بشرط أن يكون أداء خدماتهم بصورة رئيسية داخل المملكة العربية السعودية ([211]) . وإن كان نظام التأمينات الاجتماعية قد أستثنى بعض الصور المحدودة من العمالة ، إلا أنه شمل قطاع كبير جداً من العمالة في المملكة العربية السعودية ، أما العمالة التي استثناهم النظام فهم :

ـ خدم المنازل .

ـ أفراد أسرة صاحب العمل الذين يعيشون معه تحت سقف واحد .

ـ عمال الاستصناع ، وهم العمال الذين يعملون في منازلهم .

ـ العمال المأجورون المستخدمون في أعمال الفلاحة والرعي .

ـ العمال الأجانب الذين يقدمون إلى المملكة لأعمال لا يستغرق إنجازها ثلاثة أشهر .

ويدير المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مجلس إدارة يرأسه وزير العمل والشؤون الاجتماعية ، ويضم في عضويته ثلاثة أعضاء من أصحاب العمل ، وثلاثة من أعضاء من المؤمن عليهم من ذوي الكفاءات العليا في أعمالهم ، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين في وزارة العمل والصحة والمالية والاقتصاد الوطني . وللمؤسسة مواردها المالية المستقلة وهي : اشتراكات أصحاب العمل المؤمن عليهم ، وإعانات الدولة السنوية ، والمبالغ الإضافية لقاء التأخر في دفع الاشتراكات ، والأرباح الناتجة من استثمار أموال المؤسسة العامة ، والهبات والوصايا المتبرع بها للمؤسسة .

ولكي يشمل نظام التأمينات الاجتماعية العامل فانه يقتطع ( 13% ) من الأجر الشهري الذي يتقاضاه العامل من رب العمل ، ويقع ( 8% ) منها على عاتق صاحب العمل ، و ( 5% ) منها على عاتق المؤمن عليه ([212]). وتقدم لهم التعويضات في الحالات التالية :

أ )  إصابات العمل والأمراض المهنية .

ب ) العجز والشيخوخة والوفاة .

ولقد حدد النظام كيفية التعامل مع العامل المسن ، حيث فرض له راتبا شهرياً يسمى ( معاش الشيخوخة ) إذا بلغ الستين من عمره يصرف له طوال حياته ولورثته بعد وفاته ،بالإضافة إلى أحكام أخرى وضحها نظام التأمينات الاجتماعية ، وخص بها العمال المسنين ، حيث اشتمل على أكثر من سبع مواد خاصة بالعمال إذا بلغوا الستين عاما وكيفية التعامل معهم . أما معاش الشيخوخة فيحسب بضرب جزء من خمسين من متوسط الأجور الشهرية بعدد سنوات التأمين ويزاد معاش الشيخوخية ( 10% ) للشخص الأول من عائلته الذي تقع إعالته عليه ، و( 5% ) لكل من الشخص الثاني والثالث ([213]).

وتظهر أهمية هذا النظام الذي يمثل جانب من جوانب الرعاية الاقتصادية للمسنين في المملكة العربية السعودية ، إذا علمنا أن معاشات الشيخوخة تشكل ( 59% ) من مجموع المبالغ المنصرفة من فرع المعاشات طوال الفترة الممتدة من عام 1395هـ وحتى عام 1412هـ ، وبلغت حالات الشيخوخة التي ترعاها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية رعاية اقتصادية من خلال معاشات الشيخوخة ( 17860 ) حالة ([214]).

 

 

 

 

 

3 ـ الضمان الاجتماعي .

أُسست وزارة العمل والشئون الاجتماعية في عام (1380هـ) ، وبدأت ترعى الجمعيات الخيرية والتعاونية ، وتشرف على دور الأيتام والعجزة ، وفي عام (1382هـ) أحدثت مصلحة للضمان الاجتماعي ترتبط بوزارة العمل والشئون الاجتماعية ، وقد كان من طبيعية عملها أن ترعى وتنظم مساعدة الأسر والأفراد المستفيدين من الضمان الاجتماعي .

ولقد صدر المرسوم الملكي رقم 18 في 18/3/1382هـ بنظام الضمان الاجتماعي الذي حقق لفئات كثيرة من المجتمع ظروفاً معيشية أفضل ، وخفف عنهم بعض ما يعانونه من شظف العيش ، أو ما يجدونه من صعوبة في مزاولة العمل ، من أجل إعالة أنفسهم وأسرهم ، واستمرت مصلحة الضمان الاجتماعي تؤدي دورها الرعوي حتى عام (1395هـ) حيث تحولت إلى وكالة لوزارة العمل لشئون الضمان الاجتماعي .

لقد صدر نظام الضمان الاجتماعي ، ليكفل للمواطن السعودي المستحق لهذا النظام حداً أدنى من العيش ، يقيم به حياته ، ويرفع عنه ذل المسألة ، ويحفظ كرامته ، ويشعره أن حقه في حياة حرة كريمة مضمون ومتحقق له ، وقد صنف الضمان خدماته إلى نوعين من الإعانات : ( معاشات ومساعدات ) وكل نوع يندرج تحته عدة فئات تتمثل فيما يلي :

*  المعاشات وتشمل الفئات التالية :

ــ  من عجز عجزاً كلياً من الرجال بسبب الشيخوخة أو غير ذلك من الأسباب .

ــ  الأيتام ومجهول الأب أو مفقوده .

ــ  الأرامل والمطلقات اللاتي لا عائل لهن .

* المساعدات الاجتماعية ، وتشمل الفئات التالية :

ــ  العجز الجزئي .

ــ  أسر السجناء .

ــ  المصابون بكوارث ونكبات فردية .

ــ  المساعدات العاجلة .

ــ  السعوديات المتزوجات من أجانب ، وتنطبق بحقهن شروط المساعدة .

ــ  الطلبة في الأسر الضمانية والمكفوفين .

ويتم صرف هذه المعاشات والمساعدات وفق ضوابط محددة ، حيث تقوم مكاتب الضمان الاجتماعي باستيفاء الأوراق والمستندات ، واستكمال الإجراءات التي تثبت أحقية المتقدم إليها للمعاش أو المساعدة من خلال إجراء البحوث الاجتماعية .

ولقد مرت إعانات الضمان ( المعاشات والمساعدات ) بأربع مراحل ، حيث بدأت المعاشات والمساعدات الضمانية بمبلغ يتناسب مع الظروف التي كانت سائدة وكافية لمستوى المعيشة وقت صدور النظام ، ثم زيدت عام 1394هـ ، كما زيدت عام 1396هـ ، وفي عام 1401هـ تم رفع قيمتها ، وأخيراً جاءت مكرمة خادم الحرمين الشريفين التي صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم 75 في 6/6/1413هـ برفع معاشات ومساعدات الضمان بنسبة تتراوح بين 138% و 43% ، فأصبح معاش العائل (5400) ريال ، أما الأسرة المكونة من سبعة أفراد فتستحق معاشاً سنوياً قدره (16200) ريال ، وقد لاقت هذه المكرمة صدى واسعاً لدى المستفيدين ، وحققت لهم مستوى من المعيشة يتناسب مع ارتفاع تكاليف الحياة ومتطلبات أسرهم ([215]) .

وكما ذكر أنفاً أن من ضمن الفئات المشمولة بالرعاية في نظام الضمان الاجتماعي فئة المسنين ، أو من عجز عن العمل بسبب الشيخوخة .

وتدفع الدولة عن طريق الضمان الاجتماعي المبالغ الطائلة ؛ لتضمن استمرار ذلك التوجه الاجتماعي الإيجابي للمسنين وكبار السن أو من عجز عن العمل بسبب الشيخوخة ، وتواصلاً مع تسهيل الأمور على كبار السن ، وإيصال حقوقهم الضمانية إليهم بكل تيسير ، صدر قرار مجلس الوزراء الذي ينص على قيام مكاتب الضمان الاجتماعي بصرف مستحقات كبار السن في منازلهم ، ولا يلزمون بالحضور إلى مكاتب الضمان الاجتماعي ([216]) .

 


ب ) الرعاية الاجتماعية المفتوحة للمسنين في المملكة العربية السعودية .

وهذا هو النوع الثاني من أنواع الرعاية التي تقدم للمسنين في المملكة العربية السعودية ، ويتمثل ذلك في ممارسة بعض العمليات الاجتماعية لدمج المسن في المجتمع الخارجي وعدم تركه للعزلة التي قد يمارسه المسن بغير اختيار منه نتيجة للمتغيرات التي يمر بها في مرحلة الشيخوخة ، والتي سبق الحديث عنها في الفصل الأول ، ويعد هذا النوع من الرعاية من أحدث أنماط الرعاية في المملكة العربية السعودية ، ويمثل هذا النوع من الرعاية : مركز الأمير سلمان الاجتماعي بمدينة الرياض .

وتعود فكرة هذا المركز إلى ما دلت عليه بعض الدراسات التي أجريت في المجتمع السعودي ، وأظهرت رغبة كبار السن في وجود مؤسسة تتناسب مع سنهم وتلبي احتياجاتهم ([217]) وعليه تداعى عدد من الوجهاء ورجال الأعمال ومحبي الخير في مدينة الرياض إلى اجتماع يعقد في الغرفة التجارية لطرح مشروع خيري يهتم بالمسنين الأصحاء فكان أن عقد الاجتماع في يوم 5/9/1410هـ وحضره أكثر من ( 250 ) شخصاً من المهتمين بهذا الأمر ، ونتج عن الاجتماع الإعلان عن إنشاء مركز الأمير سلمان الاجتماعي للمسنين وبدأت التبرعات تنهال من كل مكان وكان رائدهم في ذلك صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ، الذي أوقف وقفاً من ماله الخاص للصرف على هذا المشروع الخيري ويقدر الدخل السنوي لذلك الوقف ( 2.5 مليون ) ريال سنوياً ، وتمّ وضع حجر الأساس في عام 1413هـ .

ومما لاشك فيه أن الهدف الأساسي لمركز الأمير سلمان الاجتماعي هو تعزيز احترام الذات عند المسنين عن طريق استعادة إحساسهم بذواتهم ومساعدتهم اجتماعيا ونفسياً من خلال ما يلي :

1ـ بيان أهمية بر الوالدين من الناحية الدينية والدنيوية ، والحث على ذلك ، وتوعية الناس بهذه الأهمية .

2 ـ تجنيب المسن الوحدة والاكتئاب من خلال اللقاءات والنشاطات التي يعدها المركز .

3 ـ تقديم الرعاية الطبية والنصائح الصحية والوقائية للمسنين .

4 ـ الاستفادة من المسنين بإتاحة الفرص لهم للإسهام بتقديم معرفتهم وخبراتهم للمركز والمجتمع بأسلوب مفيد .

5 ـ حث المسنين على المشاركة في العلاقات الاجتماعية المتبادلة بين الأشخاص وتعزيز حب حياة الجماعة لديهم .

6 ـ تنمية القدرة لدى المسنين على التأقلم مع تغيرات المجتمع والاحتفاظ بصلات طيبة مع الجماعة .

7 ـ الوفاء بالاحتياجات الاجتماعية الأساسية للمسنين من خلال تقديم المشورة والمعلومات النافعة المبسطة .

8 ـ إنشاء مكتبة وقسم لدراسات الشيخوخة ، و إصدار نشرة دورية تخدم المسنين وتوضح الأسلوب الأمثل لرعايتهم والتعامل معهم ([218]).

ولقد تمًّ افتتاح المركز عام 1415هـ على أرض مساحتها 150.000 متر مربع في شمال مدينة الرياض ، وهو يحوي على قسمين منفصلين ، أحدهما للرجال والآخر للنساء وبه مرافق متكاملة لخدمة كبار السن ، وأبرز المرافق التي يضمها المركز ([219]):

مسجد من دورين بمدخلين منفصلين للرجال والنساء ويتسع إلى قرابة ( 500 ) مصلي .

مسرح وقاعة للمحاضرات والندوات العامة .

ورشة في قسم الرجال للمهن الخفيفة مثل : النجارة ، وتجليد الكتب ، وأشغال المعادن .

مسبح ، مع حمامات السونا والبخار .

عيادة طبية تخصصية في أمراض الشيخوخة .

مكتبة ثقافية وعلمية متخصصة في بحوث الشيخوخة وقاعة للمطالعة .

وحدة للعلاج الطبيعي ، وصالة للتمارين الرياضية ، ومضمار للجري واللياقة الصحية .

غرف للعلاج المائي والعلاج الكهربائي .

صالات للألعاب الداخلية مثل : كرة المضرب ، و البلياردو ، والشطرنج ، و الدومينو … الخ .

ويقدم المركز لمنسوبيه العديد من الخدمات الاجتماعية ، والثقافية ، والصحية ، والتربوية مثل :

الكشف الدوري للحالة الصحية داخل المركز ،وفي المنزل لبعض الحالات .

الاستشارات الطبية في مجال التغذية والحمية .

تنظيم دورات في مجال الإسعافات الأولية ، وأساليب التعامل مع المسن داخل المنزل .

تنظيم العديد من اللقاءات الدينية و الثقافية والطبية على مسرح المركز .

توفير الأجهزة التعويضية لمن يحتاجها من أعضاء المركز بالتنسيق مع الجهات الخارجية .

تنظيم برنامج للتثقيف الصحي للأعضاء المنتسبين بالمركز .

تقديم الاستشارات الأسرية لمنسوبي المركز عبر مكتب الاستشارات الأسرية بالمركز .

تنظيم حفلات السمر والمسابقات الرياضية داخل المركز .

القيام برحلات جماعية للحج والعمرة ، بالإضافة إلى الرحلات الخلوية للمنتسبين بالمركز .

إقامة الدورات المختلفة لإشباع الهوايات المختلفة لمنسوبي المركز مثل : دورات في الحاسب الآلي ، والرسم والخط ، والخياطة للنساء .

إصدار نشرة دورية تُعنى بالمسنين ، وقضايا الشيخوخة في المجتمع .

دعم البحوث العلمية حول الشيخوخة ، وكبار السم في المجتمع السعودي .

ولقد أدى المركز دورا فعالاً في مجتمع كبار السن ، وتزايد الإقبال عليه حتى بلغ عدد المشتركين فيه أكثر من ( ) عضو ، وفي سنة واحدة استطاع المركز أن يعقد أكثر من ( 14 ) محاضرة علمية وثقافية ، و( 9 ) ندوات وأمسية شعرية ،وتنظيم العشرات من حفلات السمر لكبار السن ، وتنظيم ثمان مسابقات رياضية لمنسوبي المركز، وإصدار أربعة كتب تتعلق بالرعاية الاجتماعية والصحية للمسنين ([220]).

 

 


 

ج ) الرعاية الإيوائية الشاملة للمسنين في المملكة العربية السعودية .

 

1 ) الرعاية الإيوائية الحكومية :

لقد بدأت الرعاية الإيوائية من قبل الدولة للمسنِّين في المملكة العربية السعودية ، أو ما يعرف بالرعاية المؤسسية في عام 1354هـ عندما أسس مدير الأمن العام مهدي بك المصلح – رحمه الله – داراً لإيواء العجزة من الحجاج لوقايتهم من التسول ، وقد نفذ مشروعه هذا في بيت استأجره لهذا الغرض ([221]) في مكة المكرمة .

ولقد كانت قائمة في بداية أمرها على ما يردها من التبرعات من الحجاج والمحسنين ، ففي أول عام لها بلغت التبرعات التي وصلت لها ( 400 جنيه إنجليزي ) بالإضافة إلى ( 200 ) طاقة من القماش و(30 ) كيساً من الأرز والعدس والحنطة ، هذا غير ما أمر به الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ من مساعدة دائمة للدار وهي عبارة عن ( 90 ) كيساً من الدقيق شهرياً ، وكان عدد سكانها من المسنين ( 300 ) مسن ومسنة . ثم تقلص العدد في العام التالي إلى ( 100 ) مسن ومسنة ([222]) .  ثم صدرت موافقة الملك عبد العزيز – رحمه الله- على بناء دار خاصة بهم في مكة المكرمة على نفقته الخاصة في عام 1363هـ ، وتفضل جلالته بمنح المكان المخصص للدار في حي أجياد بمكة المكرمة ([223]) .

وفي عام 1357هـ تمّ افتتاح دارا أخرى في المدينة المنورة ، وكان الهدف الأساس منها هو القضاء على ظاهرة التسول في الحرم النبوي ، وبخاصة بعد نجاح الفكرة في مكة المكرمة التي سبقتهم بالافتتاح بثلاث سنوات ([224]). وكان السيد ( نظام جنك بهادر ) وزير خارجية الدولة الأصفية سابقاً قد تقدم بطلب إلى أمير المدينة المنورة لشراء بناية في المدينة المنورة وتخصيصها دارا للعجزة ، وصدرت موافقة ومباركة الملك عبد العزيز – رحمه الله – على افتتاح الدار مع بعض الضوابط المالية والإدارية لضمان استمرارها وتواصل خدماتها لكبار السن ([225]). ولقد كانت قائمة في بداية أمرها على ما يردها من التبرعات من الحجاج والمحسنين ، وبخاصة من المسلمين الهنود ، فلقد كانت التبرعات تصل إلى المسؤولين بالمدينة ، ومن ثم يقومون بتوزيعها ([226])، إلا أن  الدار قد واجهت بعض الصعوبات المالية والإدارية ، لذ صدر قرار الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ بإلحاق الدار بدار العجزة بمكة المكرمة من الناحية الإشرافية ، وتكليف المشرف على دار العجز بمكة المكرمة مهدي بك المصلح ـ رحمه الله ـ مشرفاً على الدارين لما أظهره من نجاح في إدارة دار العجزة بمكة المكرمة والإشراف عليها ([227]).

وفي عام 1373هـ أقيمت دار للعجزة في مدينة الرياض ، وكانت هذه الدار تتبع الخاصة الملكية ، وفي عام 1376هـ ضمت هذه الدار إلى الرئاسة العامة للأيتام ([228])  وهذه الرئاسة كانت تشرف على دور الأيتام ، ودور رعاية الأحداث المنحرفين أو المهددين بالانحراف وكذلك دور العجزة .

وفي عام 1381هـ ضمت هذه الدور إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ([229])، كما تم وضع اللوائح المنظمة للعمل داخل هذه الدور  . ويوضح الجدول التالي عدد المسنين المقيمين بالدور الثلاث عام 1383هـ ([230]):

الدار

عدد النزلاء

المجموع

 

ذكور

إناث

 

مكة المكرمة

75

35

110

المدينة المنورة

80

40

120

الرياض

86

9

95

المجموع

241

84

325

ومراعاة لشعور المستفيدين من تلك الدور ، قامت الوزارة بتغيير أسماء بعض الدور التي أصبحت تشرف عليها فغيرت مسمى دور العجزة إلى دور الرعاية الاجتماعية ، وغيرت مسمى دور الأيتام ، وأصبحت تسمى دار التربية الاجتماعية ، إضافة إلى تغيير مسميات الدور الأخرى مثل دار الأحداث إلى دار التوجيه الاجتماعي ([231]) .

وحتى عام 1393هـ لم يكن في المملكة سوى ثلاثة دور لرعاية المسنين  ، ولقد قامت الوزارة بالتوسُّع في هذه الدور ، وإن كان هذا عائداً ليس إلى كثرة أعداد المسنِّين ، وإنما لدخول فئات جديدة ترعاها دور الرعاية الاجتماعية غير فئة المسنِّين مثل : العاجزين عن العمل بسبب عاهة جسدية ، إضافة إلى ناقهي الأمراض النفسية ، وهاتان الفئتان تمثلان قرابة ( 78% ) من المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية . فعند إنشاء وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 1380هـ لم يكن هناك سوى ثلاثة دور لرعاية المسنِّين قائمة بالعمل الفعلي في رعاية المسنِّين وهي : دار العجزة بالرياض ، ومكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، وبعد ذلك قامت الوزارة بإنشاء دور جديدة .

 ويوضح الجدول التالي دور الرعاية الاجتماعية الرسمية القائمة حالياً في المملكة العربية السعودية وتاريخ إنشاء كل دار.

 

جدول رقم (6) دور الرعاية الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية([232])

م

اســــم الدار

تاريخ الإنشاء

1

دار الرعاية الاجتماعية بمكة المكرمة

عام 1354 هـ

2

دار الرعاية الاجتماعية بالمدينة المنورة

عام 1357 هـ

3

دار الرعاية الاجتماعية بالرياض

عام 1373هـ

4

دار الرعاية الاجتماعية بالدمـــام

عام 1393هـ

5

دار الرعاية الاجتماعية بأبها

عام 1394هـ

6

دار الرعاية الاجتماعية بعنيزة

عام 1396هـ

7

دار الرعاية الاجتماعية بالجــوف

عام 1396هـ

8

دار الرعاية الاجتماعية بالطائف

عام 1408هـ

9

دار الرعاية الاجتماعية بوادي الدواسر

عام 1408هـ

 

وتهدف دور الرعاية الاجتماعية إلى إيواء وتقديم أوجه الرعاية لكل مواطن ذكراً كان أم أنثى إذا بلغ سن الستين فأكثر ، وأعجزته الشيخوخة عن إمكانية العمل أو القيام بشؤونه الشخصية بنفسه،ولا يتوفر لدى  أسرته أو أقاربه الاستعداد أو الإمكانيات لرعايته ، بالإضافة إلى أن الدور تقدم الرعاية للمرضى المسنِّين الذين لا عائل لهم ، ويحالون من مستشفيات وزارة الصحة على أن تثبت الفحوص خلوّهم من الأمراض المعدية والعقلية .أما الفئات التي تقبلها دور الرعاية الاجتماعية فهي :

1 -       كل مواطن سعودي الجنسية بلغ سن الستين ولا يستطيع القيام  بتدبير شؤونه بنفسه ولا يوجد من يتولى أمره .

2 -       المسنُّون الذين لا عائل لهم والمحولون من المستشفيات .

3 -       كل مواطن بلغ سن العشرين أو أكثر ويعجز عن العمل أو التأهيل بسبب عاهة جسدية تعيقه عن ذلك .

ويشترط للالتحاق في هذه الدور ما يلي :

* أن يكون المتقدم سعودي الجنسية  وتنطبق عليه إحدى الفئات السابقة .

* أن  يثبت كل  من البحث الاجتماعي والفحص الطبي أن  ظروف المتقدم تستلزم رعايته في الدار .

* أن يثبت الفحص الطبي خلوه  من الأمراض المعدية .

وتُقدم في  هذه الدور العديد من البرامج والخدمات ومنها  ([233]):

ــ الرعاية الاجتماعية :

تبدأ  الرعاية الاجتماعية منذ لحظة  استقبال الحالة ، بدراسة الأحوال المحيطة بها ، والظروف الاجتماعية قبل دخول الدار ، ثمَّ تسكينه في المكان المناسب لسنّه وظروفه الصحية ، وصرف مستلزماته ، ثمَّ تعريفه بالدار وبرامجها وأجهزتها والعمل على استمرار علاقته وتواصله بالأسرة عن طريق الزيارات المتبادلة ، ومساعدته لتقبل حياة الدار الجديدة وتكيفه مع برامجها ، وحل ما قد ينشأ لديه من مشكلات ، وتعديل ما لديه من تصورات أو اتجاهات خاطئة بما يضمن حسن التوافق ، وربطه بالمجتمع الخارجي عن طريق النزهات والتجوال في البيئة المحلية متى كانت حالته وظروفه تسمح بذلك . والمسن القادر على التدريب المهني يتم تأهيله ، فإذا ما أصبح مؤهلاً للعمل تقوم الدار بمساعدته في إتاحة فرصة عمل له خارج الدار .

ــ الرعاية الطبية :

تقوم الدار بتوفير الرعاية الطبية الكاملة للنزلاء بمعرفة طبيب الدار من خلال :متابعة المرضى والكشف عليهم ، وصرف العلاج اللازم ، والإشراف على الصيدلية الخاصة بالدار . والمتابعة الصحية لمرافق الدار وأماكن النوم ومحتوياتها . وتقرير أنواع الأغذية المناسبة لحالات العجزة والمرضى . ومتابعة النظافة الشخصية حسب جداول الاستحمام وغسيل وكي الملابس التي يشرف عليها الممرضون بقسم الرجال والممرضات بقسم النساء .

ــ  الرعاية النفسية :

يحظى المسنُّون والمسنَّات بالرعاية النفسية ، وذلك من خلال طبيب نفسي يقوم بالاطمئنان على الذين يعانون من الأمراض النفسية ويساعده في ذلك مشاركتهم في البرامج والأنشطة التي تستهويهم وتساعدهم على أن يعيشوا حياة مستقرة وهانئة تحت رعاية وعناية وإشراف الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين بالدار .

ــ النشاط الثقافي :

تنظم الدار بعض البرامج والأنشطة الثقافية مثل : الاستمتاع بقراءة بعض الصحف والمجلات والقصص والكتب النافعة حسب اهتمامات وميول وقدرات النزلاء ، وعقد الندوات الاجتماعية والدينية وذلك من خلال :

ــ الإذاعة الداخلية : للاستماع إلى القرآن الكريم وبعض الأحاديث الدينية وخطبة الجمعة التي تقدم لهم مباشرة من مكة المكرمة ، والمدينة المنورة .

ــ مشاهدة برامج التلفاز والفيديو ، بالإضافة إلى المذياع والمسجل.

ــ النشاط المهني :

توفر الدار فرص الأشغال اليدوية والحرة والهوايات للنزلاء غير القادرين على التدريب المهني كوسيلة لشغل أوقات الفراغ .

ــ النشاط الترفيهي والرياضي :

تهتم الدار بألوان النشاط الترفيهي والرياضي ، حيث تنظم بعض الألعاب الداخلية مثل : لعبة البلياردو وتنس الطاولة . بالإضافة إلى ذلك تقوم الدار بتنظيم حفلات السمر الترويحية ، والخروج في نزهات خارج الدار للحدائق والمنتزهات العامة ، وتنظيم الرحلات الخلوية ، وزيارة بعض المعارض والمهرجانات السنوية .

ويشرف على هذه البرامج والفعاليات جهازٌ وظيفيٌ يضم كافة التخصصات للقيام بالأعمال والواجبات والمسؤوليات المنوطة به لخدمة المقيمين بالدور .

ولقد استفاد عدد كبير من المسنِّين والعاجزين وناقهي الأمراض النفسية من هذه الدور ، ويوضّح الجدول التالي عدد المستفيدين من خدمات دور الرعاية الاجتماعية :

 

جدول رقم (7)

عدد المستفيدين من دور الرعاية الاجتماعية خلال ثلاث سنوات ([234])

 

عدد المستفيدين

 

السنة

كبار

السن

ناقهي الأمراض النفسية وذوي العاهات

المجموع

1414-1415هـ ( 1994م )

334

628

962

1415-1416هـ ( 1995م )

373

568

941

1416-1417هـ ( 1996م )

372

513

885

المجموع

1079

3664

4743

%

22 %

78 %

100%

 

ومن الجدول يتضح أن معظم المقيمين في دور الرعاية الاجتماعية ليسوا من كبار السن ، فنسبتهم لا تتجاوز (  22% ) في حين تبلغ نسبة ناقهي الأمراض النفسية وذوي العاهات (  78% ) ، وهذا يؤكد استمرار وجود الترابط الأسري في المجتمع السعودي ، وبخاصة أن الغالبية العظمى ممن يدخلون الدار لا يوجد من يقوم برعايتهم ، ونسبة كبيرة منهم لا يوجد لهم أبناء أو بنات لكي يقوموا برعايتهم ([235]).

ومما ينبغي الإشارة إليه أن دور الرعاية الاجتماعية تقوم بفصل هذه الفئات عن بعضها البعض ، كما تقدم لكل فئة برامجها الخاصة بها ،حيث لا تتناسب برامج وأنشطة كل فئة مع الفئة الأخرى .

 

2 ) الرعاية الإيوائية الأهلية :

لقد بدأت الرعاية الإيوائية الأهلية المسنِّين في المملكة العربية السعودية قبل أزمنة بعيدة ، بل وقبل توحيد الجزيرة العربية ، حيث كان هناك رعاية أهلية للمسنِّين فيما يسمى بالأربطة ، وهي متركزة في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، فلقد كان أهل الخير والمحسنون يقيمون بعض المنازل أو الغرف ، ثمَّ توقف للمحتاجين من كبار السن المنقطعين من حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام . ويقوم أهل الخير المجاورون لهذه الأربطة بتزويد السكان بالمؤن والمساعدات .

ثم تطور الأمر وأصبح أكثر تنظيماً ، حيث قامت وزارة العمل والشئون الاجتماعية منذ نشأتها بتنشيط المبادرات الفردية والجماعية في العمل الاجتماعي ، ودفع الناس إلى تنظيم الأعمال الخيرية التي يقدمونها من خلال الجمعيات الخيرية سواء الرجالية منها أو النسائية ،ومع قيام وزارة العمل والشئون الاجتماعية عام (1380هـ) سعت إلى بث الوعي الاجتماعي لتنشيط الجهود الأهلية التطوعية ، فكان على أثرها أن بدأت الجمعيات الخيرية هنا وهناك في أرض المملكة ، وهذا ما حدا بالوزارة إلى تنظيم هذه الجهود ، فقامت بوضع نظام الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية الأهلية عام (1384هـ) والذي ينظم العمل التطوعي والجهود الأهلية الفردية والجماعية من خلال إنشاء مجالس للجمعيات الخيرية وضبط الأمور المالية والإدارية بها .

وفي الوقت الحاضر تنتشر العشرات من الجمعيات الخيرية على أرض المملكة العربية السعودية ، فيوجد أكثر من (150) جمعية خيرية متنوعة الأنشطة ، ويوجد من هذه الجمعيات عشرون جمعية نسائية ، بل مما تجدر الإشارة إليه أن الجمعيات الأربع الأولى التي سجلت رسمياً بالمملكة العربية السعودية كانت جمعيات نسائية ظهرت الأولى منها في مدينة جدة ، والثانية في مدينة الرياض ، والثالثة في مدينة الطائف ، والرابعة في مدينة الدمام ([236]) .

واستكمالاً لتلك الرعاية للجمعيات الخيرية تقوم الدولة بدعم هذه الجمعيات ومساعدتها على تحقيق أهدافها من خلال الآتي :

* إعانة نقدية : وهي على أقسام ، مثال لذلك :

ــ  إعانة تأسيس : تمنح للجمعيات بعد تسجيلها رسمياً ، وقد تصل الإعانة إلى (50.000) ريال .

ــ  إعانة سنوية : تمنح للجمعية على ضوء ما قدمته من خدمات وما تحملته من مصروفات ، وقد تصل الإعانة إلى (80%) من مصروفات الجمعية .

ــ  إعانة إنشائية للإسهام في تكاليف المباني التي تقيمها الجمعيات الخيرية.

* إعانات فنية وتشمل :

ــ  تعيين موظفين فنيين للعمل في الجمعيات ، مثل الأخصائيين الاجتماعيين والأخصائيات الاجتماعيات .

ــ  مد الجمعيات بالخبراء والمختصين لدراسة أوضاعها ، وتقديم المقترحات للنهوض بها .

ــ  تكليف بعض الموظفين بوزارة العمل والشئون الاجتماعية بالعمل لدى الجمعيات لمدد محددة .

* إعانات عينية :لدعم الخدمات القائمة والرفع من مستواها ومنها منح أراضٍ للجمعيات لإقامة مقار لها عليها .

ــ إعانة طارئة :تمنح في الحالات الاستثنائية التي تُوجد ذلك ، مثل مواجهة صعوبات أو أزمات مالية أو إدارية .

ــ إعانات متنوعة : مثال ذلك :

ــ  معاملة الجمعيات معاملة الأسر البديلة ، فيصرف لها ما يصرف للأسر من إعانات لقاء حضانتها للأطفال ذوي الظروف الخاصة .

ــ  منح الجمعيات الخيرية ما تحتاج إليه من الأراضي لإقامة منشآتها الخيرية عليها .

ــ  معاملة الجمعيات الخيرية معاملة الجهات التي يمكن تدريب المعاقين لديها ، ويدفع لها ما يدفع لتلك الجهات .

ــ  تدفع الجمعيات الخيرية سعراً خاصاً ومخفضاً لاستهلاك التيار الكهربائي .

ــ  استفادة خريجات أقسام تعليم التفصيل والخياطة بالجمعيات الخيرية من القروض المهنية التي يقدمها صندوق التسليف السعودي للمواطنين .

ــ  إقامة دورات تدريبية وندوات وحلقات دراسية للقائمين على الجمعيات الخيرية والعاملين بها ([237]) .

ويوضح الجدول التالي مقدار الإعانات النقدية التي قدمتها الدولة لهذه الجمعيات خلال السنوات الخمس الماضية ، مع الأخذ بعين الاعتبار الدعم المعنوي والإداري غير المنظور :

جدول رقم ( 8 ) مقدار الإعانات النقدية التي قدمتها الدولة للجمعيات الخيرية

العام

قيمة الإعانات الحكومية للجمعيات ([238])

1412-1413هـ (1992م)

50.965.000 ريال

1413-1414هـ (1993م)

57.550.000 ريال

1414-1415هـ (1994م)

45.500.000 ريال

1415-1416هـ (1995م)

46.758.000 ريال

1416-1417هـ (1996م)

40.353.000 ريال

المجموع

241.126.000 ريال

 

وإثر ذلك الدعم غير المحدود من قبل الدولة تقوم الجمعيات الخيرية بالعديد من البرامج والأنشطة ، ومنها على سبيل المثال :

ــ برامج رعاية الطفولة :ويتم ذلك بإنشاء دور الحضانة الإيوائية للأطفال ذوي الظروف الخاصة والأيتام ، ورياض الأطفال ، ومراكز الرعاية النهارية ، وأندية الطفل ، وجميع الأنشطة الخاصة بتربية وتثقيف وتعليم الطفل .

ــ برامج التعليم والتدريب والتأهيل:وهذه البرامج تهتم بإعداد المواطنين وإكسابهم خبرات ومهارات جديدة تمكنهم من العمل في مجالات مختلفة من خلال تنظيم دورات في برامج الحاسب الآلي والآلة الكاتبة والتفصيل والخياطة ومكافحة الأمية وتحسين الخط ومزاولة الرسم وتقوية الطلاب دراسياً ، وتعلم اللغات الأجنبية ، وغير ذلك من المهن الحرفية والخدمات الأخرى .

ــ برامج رعاية المعاقين والعجزة وكبار السن من خلال :

-    إنشاء مراكز إيوائية للمسنين .

-    إنشاء مجمعات صحية واجتماعية .

-    إنشاء مراكز للعلاج الطبيعي .

-    إنشاء مراكز تعليمية لبعض فئات المعاقين .

-    إنشاء مشاغل للتأهيل المهني للمعاقات .

-    تأمين الأجهزة الطبية للمعاقين .

ــ برامج الإسكان الخيري :ويتمثل هذا البرنامج في تمليك مساكن لبعض الأسر المحتاجة ، وتأمين السكن الخيري بدون مقابل أو بأجور رمزية ، وإدخال التحسينات الصحية والعمرانية على مساكن محدودي الدخل .

ــ برامج الخدمات الثقافية :ويشمل تحفيظ القرآن الكريم ، وإنشاء المكتبات ، وتقديم الدعم المادي لجماعات تحفيظ القرآن ، وإقامة الندوات والأمسيات الثقافية ، ونشر وطبع وتوزيع الكتب ونشرات التوعية واللوحات الإرشادية .

ــ برامج الخدمات الصحية وتشمل :

-    افتتاح المستوصفات والعيادات الطبية والصيدليات .

-    إجراء عمليات القلب المفتوح مجاناً .

-    مكافحة التدخين .

-    إقامة مراكز للعلاج الطبيعي والتمريض .

-    إقامة دورات تدريبية على أعمال الإسعافات الأولية .

-    تأمين سيارات للإسعاف لنقل المرضى .

-    تأمين السكن الصحي للمرضى ومرافقيهم .

-    تقديم الدعم المادي للجان أصدقاء المرضى .

-    تقديم خدمات متنوعة لنزلاء المستشفيات .

ــ برامج الخدمات العامة ورعاية المرافق العامة وتشمل :

-    إقامة وترميم المساجد وتأثيثها .

-    العناية بالمقابر ومغاسل الموتى .

-    تأمين المياه الباردة بالأسواق العامة .

-    تأمين النقل للمرضى والطلبة .

-    تمديد شبكات المياه .

-    تولي أعمال النظافة العامة في بعض البيئات .

ــ برامج المساعدات المتنوعة وتشمل :

-    تقديم مساعدات نقدية شهرية دائمة .

-    تقديم مساعدات عينية للفقراء والمحتاجين .

-    المساعدات الطارئة .

-    مساعدات المرضى مادياً .

-    مساعدات أسر السجناء .

-    مساعدات راغبي الزواج من ذوي الدخل المحدود .

-    تقديم مساعدات وخدمات لسكان الأربطة .

-    إنشاء دور الضيافة لرعاية الأسر في الحالات الطارئة .

-    جمع وتوزيع فائض الولائم .

-    مشروع كفالة الأيتام والمعاقين داخل أسرهم .

-    التعاون مع الجهات المعنية في توزيع التمور ولحوم الهدي والأضاحي .

ــ برامج معسكرات الشباب والمراكز الصيفية ومراكز الأحياء وتشمل :

-    إقامة المعسكرات والمراكز الصيفية للشباب .

-    تقديم الدعم المالي للمعسكرات التي تقيمها بعض الجهات الرسمية .

-    إقامة مراكز اجتماعية للشباب ومراكز للأحياء بصفة دائمة تقدم خدمات متنوعة للشباب وسكان الأحياء .([239])

وأبرز ما يهمنا الأنشطة التي تقدمها الجمعيات الخيرية في مجال رعاية المسنين رعاية إيوائية ، فهناك خمس جمعيات خيرية أقامت مراكز لخدمة كبار السن ممن لاعائل لهم ، ولايوجد من يرعاهم ، وهذه الجمعيات هي :

جدول رقم ( 9 ) الجمعيات الخيرية التي تقدم رعاية إيوائية للمسنين

اسم الجمعية

تاريخ التأسيس

تاريخ بدء رعاية المسنين

عدد المسنين حالياً

جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية

1382هـ

1385هـ

86

جمعية البر الخيرية ببريدة

1400هـ

1411هـ

14

الجمعية الخيرية بحائل

1399هـ

1411هـ

23

جمعية المنصورة الخيرية

1404هـ

1412هـ

11

الجمعية الخيرية بالرس

1403هـ

1417هـ

7

جمعية الملك فهد النسائية بجيزان

1403هـ

1418هـ

11

 

 

 

 


ثانياً : وضع المسنيّن عالمياً :

        تظهر مؤشرات الإحصاءات السكانية اختلال شكل الهرم السكاني في بعض الدول ، وذلك بتضخم قمة الهرم السكاني ووسطه سنة بعد أخرى ، وقد وصل الأمر في بعض الدول الغربية إلى درجة الاعتقاد بانقلاب الهرم السكاني بسبب تزايد عدد كبار السن وقلة المواليد ، وارتفاع معدل توقع الحياة ( العمر ) ، وماذاك بعد تقدير الله عز وجل إلا بسبب التطور المتزايد في الخدمات الصحية ، وبخاصة لكبار السن ، ونتيجة طبيعية لذلك تزايد الاهتمام بفئة المسنيّن ، وهذا الاهتمام يكثر في الدول الغربية أكثر منه في دول العالم الثالث ، ويعود هذا كما ذكر آنفا إلى تزايد أعداد المسنيّن في المجتمعات الغربية ، ويوضح الجدول الاتي النسب المئوية للسكان الذين تجاوزوا الستين من العمر خلال أربعة عقود ([240]) :

 

 

نسبة المسنيّن إلى مجموع السكان

العام

المنطقة

1390هـ

1970م

1400هـ

1980م

1410هـ

1990م

1420هـ

2000م

العالم

8.4

8.9

8.9

9.3

اوروبا

16.7

16.7

17.8

18.5

أمريكا الشمالية

13.8

14.9

15.2

15.4

شرق اسيا

8.5

9.1

10.2

11.2

 

ومن الواضح تزايد نسبة المسنيّن إلى مجموع السكان بشكل عام ، وهذا عائد بعد تقدير الله إلى ارتفاع معدلات توقع الحياة ( العمر ) للجنسين في العالم الغربي مقارنة بالعالم الثالث فمن خلال الجدول التالي الذي يورده رشود الخريف ( 1414هـ ) يتضح لنا ذلك التزايد في العالم الغربي مقارنة بالعالم الثالث ([241]) :

 

 

توقع الحياة ( العمر )

البلد

الذكور

الإناث

الجنسين

العالم بشكل عام

67

63

65

السعودية

67

64

66

مصر

59

62

60

سيراليون

40

44

42

الولايات المتحدة الامريكية

72

79

75

السويد

75

80

78

فرنسا

73

81

77

اليابان

76

82

79

هونج كونج

75

80

78

 

فمن هذا الجدول يتضح أن مشكلة التزايد في العمر وبالتالي تزايد عدد المسنيّن في المجتمع تتنامى في العالم الغربي وهذه المؤشرات التصاعدية سبب في ظهور علم الشيخوخة ، وذلك إثر إنشاء مؤسسات لذلك العلم في عدد من الدول الغربية ، وعقد أول مؤتمر دولي عن الشيخوخة في اوربا بمدينة لييج ببلجيكا والذي كان من أثره تأسيس الجمعية الدولية للشيخوخة ، حيث تعقد مؤتمرات دولية حول الشيخوخة كل ثلاث سنوات .

 

 

 

 


 

ثالثاً : الدراسات السابقة

 

يوجد العديد من الدراسات التي أُجريت على كبار السن في المملكة العربية السعودية ، وبعضها تمت على المسنِّين داخل الدور الاجتماعية ، والبعض الآخر تمَّ على المتقاعدين وسنعرضها حسب أقدميتها كما يلي  :

الدراسة الأولى :

وهي دراسة قامت بها ( أسماء الخميس - 1406هـ ) حول برامج رعاية المسنِّين ودور الخدمة الاجتماعية فيها ([242]). وهي من أولى الدراسات عن المسنِّين في المملكة العربية السعودية وتهدف الدراسة إلى تحليل الدور الذي تقدمه مؤسسة دار الرعاية الاجتماعية للمسنِّين بمدينة الرياض من منظور الخدمة الاجتماعية ، وتمت الدراسة على عينة من المسنِّين من دار الرعاية الاجتماعية بمدينة الرياض عام 1406هـ وهي دراسة وصفية تقويمية اعتمدت فيها الباحثة على منهج دراسة الحالة لعدد عشرين مسن ومسنة ،  كما شملت الدراسة جميع الأخصائيين والأخصائيات بالدار ، إضافة إلى خمسة من الخبراء بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية . وطبقت الدراسة باستخدام استمارة مقابلة لكبار السن واستبانة للأخصائيين والأخصائيات بالدار وللخبراء بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية .

وانتهت الدراسة إلى عدد من النتائج كان من أبرزها :

à       معظم المسنِّين أعمارهم في الفئة ( 60 - 70 ) سنة وغالبيتهم من الأميين .

à       معظم المسنِّين الذكور ونسبة قليلة من الإناث كانوا يعملون قبل التحاقهم بالدار وبمهن مختلفة ، أما مستوياتهم الاقتصادية فإن أغلبها منخفضة ، وقد مثل ضعف الحالة الاقتصادية أحد أهم أسباب انضمامهم للدار .

à       كشفت الدراسة أن الحالة الزواجية لكبار السن لم تكن مستقرة كما أظهرت أيضاً بأن غالبية المسنِّين ليس لديهم أولاد يعولونهم ، وقليل منهم من يوجد لديه أولاد .

à       تبين أن فترة الإقامة لبعض المسنِّين قد امتدت لسنوات طويلة تصل إلى (30) و (25) سنة .

à       تبين أن نسبة كبيرة من المسنِّين المقيمين بالدار انضموا إليها عن طريق الأسرة أو الأقارب ، كما تماثلها نسبة من انضموا إلى الدار عن طريق جهات حكومية أو عن طريق الأصدقاء ، إضافة إلى أن هناك نسبة كبيرة من المسنَّات جئن إلى الدار بأنفسهن وبرغبتهن الشخصية .

à       إن من أبرز أسباب انضمام المسنِّين للدار الحالة الصحية للمسن ، وعدم وجود من يرعاه بالمنزل ، وتوافر خدمات متميزة بالدار .

à       لا توجد فروق جوهرية بين مجموعتي الذكور والإناث من المسنِّين من حيث مدى مواجهتهم للصعوبات عند انضمامهم للدار ، حيث ارتفعت نسبة الذين أجابوا بعدم مواجهتهم للصعوبات.

à       تبين أن زيارة أفراد الأسرة لذويهم من المسنِّين داخل الدار لا تأخذ طابع الاستمرارية بل تتم على فترات متباعدة .

à       اتضح أن زيارة المسنِّين لأسرهم خارج الدار لا تتم بصورة مستمرة ، ولكنها تتم في بعض الأحيان ، كما أنها قد لا تتم على الإطلاق ، وترتبط هذه الزيارة بمدى تهيؤ الأسرة واستعدادها لاستقبال المسن ، وكذلك بمدى ما تقدمه الدار من تسهيلات لتحقيق هذه العملية .

à       تبين أن جميع المسنِّين الذين لديهم أسر يشعرون برضا أسرهم عن وجودهم بالدار لعدة أسباب أهمها :

أ-  الظروف الاجتماعية والصحية السيئة التي تعيشها بعض الأسر .

ب-      تسلط أحد أفراد الأسرة وسخطه من وجود المسن بينهم .

ج- انشغال أفراد الأسرة بأمور الحياة وعدم تفرغهم لرعاية المسن .

د-        إن كثيراً من الأسر ترى أن الدار هي القادرة على رعاية المسن أكثر من الأسرة بما توفره من خدمات متميزة .

هـ-       رضا المسن نفسه عن بقائه في الدار يجعل الأسرة راضية عن بقائه .

à       اتضح أن الاستمرار في الدار يمثل الرغبة الغالبة لدى معظم المسنِّين ، ومن أسباب الرغبة في الاستمرار التي أفاد بها المسنُّون ما يلي :

عدم وجود أسرة ترعى المسن .

الرعاية والعناية التي توفرها الدار للمسن .

التعود على حياة الجماعة .

رفض الأسرة لوجود المسن بينهم .

الدراسة الثانية :

دراسة ( إبراهيم العبيدي - 1406هـ ) عن المتقاعدين في المملكة العربية السعودية ([243]) ، وتهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على ظاهرة التقاعد في المدن الرئيسية في المملكة العربية السعودية ، والتعرف على فئة المتقاعدين كيف تعيش حياتها ؟ وما الأنشطة التي تمارسها ؟ والمشكلات التي تواجهها ؟ إضافة إلى التعرف على العلاقة بين التكيف لمرحلة التقاعد وعدد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية .

وتمت الدراسة خلال عام 1406هـ على عينة من المتقاعدين بلغ حجمها (500) متقاعد في كل من مدينة الرياض ، جدة ، الدمام ، وانتهت الدراسة إلى النتائج التالية :

à       يلعب النشاط المهني أو الوظيفي الذي يزاوله الفرد بعد التقاعد دوراً مهماً في مدى تكيفه لهذه المرحلة .

à       أظهرت الدراسة أهمية مقدار معاش التقاعد على التكيف لمرحلة التقاعد . حيث تشير نتائج الدراسة إلى ارتفاع نسبة جيدي التكيف كلما زاد معاش التقاعد .

à       يلعب التخطيط لمرحلة التقاعد دوراً مهمّاً في مدى التكيف لمرحلة التقاعد .

à       اختلاف الذين طبقت عليهم الدراسة  في مدى تكيفهم لمرحلة التقاعد باختلاف الوظائف التي كانوا يشغلونها ، حيث ترتفع نسبة جيدي التكيف بين من كانوا يشغلون وظائف مدير وترتفع نسبة رديئي التكيف بين العمال غير المهرة والجنود .

à       تدل نتائج هذه الدراسة على العلاقة الوثيقة بين المؤهل الدراسي ومدى التكيف لمرحلة التقاعد ، حيث ترتفع نسبة جيدي التكيف وانخفاض نسبة رديئي التكيف بين من أنهوا الشهادة الثانوية والعكس مع من لم يكملوا تلك المرحلة أو لم يحصلوا على أي مؤهل.

à       تشير نتائج الدراسة أن المتقاعدين يختلفون في مدى معاناتهم لمشكلة الفراغ باختلاف خصائصهم الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية.

à       أظهرت الدراسة أن نسبة كبيرة من الذين طبقت عليهم الدراسة  يعانون من المشكلات الصحية والنفسية وتمثل المرتبة الثانية المشكلات المالية ثمَّ المشكلات الاجتماعية .

à       أشارت نتائج الدراسة إلى أن المتقاعدين يختلفون في مدى معاناتهم للمشكلات المالية باختلاف خصائصهم الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية .

الدراسة الثالثة :

دراسة ( راشد أبا الخيل - 1407هـ) عن الشيخوخة ومراكز العناية بالمسنِّين في العالم ([244]) ، وتهدف الدراسة إلى تحديد مدى الحاجة إلى منشآت اجتماعية صحية للمسنِّين في المملكة  العربية السعودية ، واقتراح النموذج الملائم لهذه المنشآت ، كما تهدف الدراسة إلى التعرف على مدى رغبة المسنِّين في المملكة العربية السعودية في الاستفادة من مراكز اجتماعية غير إيوائية لهم .

ولتحقيق ذلك قام الباحث بزيارة قرابة (30) مركزاً لرعاية المسنِّين في ثماني دول موزعة في مناطق مختلفة من العالم ، إضافة إلى قيامه بطرح استبانة على عدد من المسنِّين في المملكة العربية السعودية وبلغ عددهم (692) مسن ومسنة من خارج الدور الاجتماعية ، وتمت الدراسة خلال عام (1407هـ).

أبرز النتائج المتعلقة بالمسنِّين في المملكة العربية السعودية هي :

à       معظم أفراد العينة (96%) متزوجون والبقية بين أرمل أو مطلق .

à       غالبية المبحوثين يسكنون في المدن ونسبتهم تصل إلى (61%).

à       قرابة نصف العينة يعانون من انخفاض الدخل السنوي ، حيث لا يتجاوز 4000 ريال .

à       الغالبية العظمى من أفراد عينة الدراسة لم يحصلوا على أي مؤهل دراسي ، وبلغت نسبتهم (85%) .

à       يوجد نسبة ليست بالكبيرة بين المبحوثين يعانون من مشاكل صحية.

à       نصف المبحوثين يقضون وقت فراغهم داخل منازلهم .

à       يوجد نسبة كبيرة من المبحوثين (70%) راضين عن أنشطة أوقات الفراغ .

وانتهى الباحث في دراسته إلى أن المملكة العربية السعودية قد مرت بتغيرات اجتماعية واقتصادية أثرت بشكل عام على المجتمع وعلى المسنِّين بشكل خاص ، حيث هم أكثر الفئات العمرية تأثراً حيث ينتهي بهم المطاف إلى الإحساس بالوحدة والاكتئاب وعلى هذا يرى الباحث أن يُبدأ بإنشاء مراكز اجتماعية صحية تحت إشراف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية .

 

الدراسة الرابعة :

دراسة ( ثريا جبريل -1408هـ) حول المشاكل التي يعاني منها المسنُّون في المملكة العربية السعودية ودور الخدمة الاجتماعية في مواجهتها([245]) . وتهدف الدراسة إلى التعرف على أنواع المشكلات التي يعاني منها المسنُّون في المملكة العربية السعودية ومحاولة التعرف على ما إذا كان هناك اختلاف بين أنواع المشكلات التي يعاني منها المسنُّون تباعاً لاختلاف جنس المسن وقد أجريت الدراسة على عينة قوامها (85) مسناً ومسنة من مدينة الرياض من غير نزلاء دور الرعاية الاجتماعية وطبقت عليهم استمارة مقابلة صممت خصيصاً لهذا البحث وأبرز النتائج التي تمَّ التوصل إليها :

أولاً : أظهرت الدراسة أن أهم مشكلات المسنِّين بالمملكة العربية السعودية المشكلات الصحية وأكثر الأمراض انتشاراً أمراض العيون وتساقط الأسنان ، والروماتزم ، والسكر .

     يلي ذلك في الأهمية مشكلة وقت الفراغ ويعاني المسنُّون في المملكة من عدم إمضاء وقت الفراغ في القراءة ، حيث يتوفر  لديهم وقت فراغ كبير لا يستطيعون إمضاءه في عمل مفيد بجانب عدم مناسبة برامج التليفزيون لهم ، وعدم وجود هواية يستطيعون إمضاء أوقات فراغهم فيها ، كما يعاني الكثيرون من عدم القدرة على الخروج من المنزل للنزهة ، وعدم توفر وسائل ترفيه تناسب مرحلة الشيخوخة .

    يلي ذلك المشكلة الاجتماعية ، ويعاني المسنُّون من مجموعة من المشكلات الاجتماعية أهمها : فقد الأصدقاء بالوفاة والاحتياج إلى مساعدة الآخرين  وفقد الشريك ( الزوج أو الزوجة ) بالوفاة، وعدم إشراك الأبناء لآبائهم المسنِّين في مشكلاتهم وزواج الأبناء وابتعادهم عن الآباء ، وعدم القدرة على خدمة النفس وإحساس المسن بأن أفكاره أصبحت غريبة ولا تعجب الآخرين .

      ثمَّ يلي ذلك المشكلة الدينية ، وأهمها الخوف من الموت ، ثمَّ الشعور بتأنيب الضمير على ما ارتكبه المسن في حياته من ذنوب وآثام ، وشعور المسن بأنه ما زال يجهل الكثير من أمور دينه ، وتشدد المسن في كل ما يخص أمور دينه .

     ثمَّ يلي ذلك المشكلة النفسية والعقلية ، حيث إنهما تحتلان المركز نفسه بالنسبة للمسنِّين . وأهم المشكلات النفسية التي تواجه المسن: الحساسية والضيق من أقل شئ ، ثمَّ يلي ذلك الرغبة الدائمة في البكاء ، والثورة لأتفه الأسباب ، وعدم السيطرة على الانفعالات والرغبة في الانفراد بالنفس لفترات طويلة .

 أما المشكلة العقلية ، فأهم ما يعانيه المسن فيها : كثرة النسيان وعدم القدرة على تعلم أشياء جديدة ، وعدم القدرة على الاستيعاب بسهولة وتغيير الرأي بسرعة وبدون إبداء للأسباب .

أما المشكلة الاقتصادية فتمثل آخر المشكلات وأهم ما يعانيه المسن منها عدم وجود مدّخرات تعين على مواجهة الحياة وزيادة تكاليف الحياة مع ثبات الدخل .

ثانياً :    تبين أنه لا يوجد اختلاف في نوع المشكلات بين الإناث والذكور ، ولا في ترتيب معظم المشكلات من حيث الأهمية .

 

الدراسة الخامسة :

دراسة ( منى شويكة - 1412هـ) حول : دور طريقة تنظيم المجتمع في إشباع الاحتياجات الاجتماعية للمسنِّين ([246]) ، وتهدف الدراسة إلى دراسة الاحتياجات الفعلية للمسنِّين في المجتمع السعودي ، ودراسة الأساليب والوسائل المتبعة في إشباع احتياجاتهم مع تحديد الصعوبات التي تواجه عملية إشباع الاحتياجات الاجتماعية للمسنِّين .

والدراسة من النوع الوصفي التحليلي واعتمدت على المنهج المسحي ، وتم إجراء الدراسة خلال عام (1412هـ) بواسطة استبانات للمسنِّين من داخل دار الرعاية الاجتماعية بالرياض ، واستبانة خاصة للمسنِّين خارج دار الرعاية الاجتماعية ، إضافة إلى استبانة للأخصائيين الاجتماعيين العاملين مع المسنِّين .

وبلغ حجم العينة (233) حالة بين مسن ومسنة وأبرز النتائج التي توصلت لها الدراسة ما يلي :

à       بلغ متوسط أعمار المسنِّين (60) سنة ، وبحساب المتوسط الحسابي لعينة الذكور فقد بلغ (71) سنة كما بلغ المتوسط الحسابي لعينة الإناث (68) سنة .

à       اتضح من الدراسة أنواع الأعمال التي كان يمارسها المسنُّون من المترددين على مؤسسات رعاية المسنِّين ، حيث كان غالب الذكور يعملون بالرعي ، وغالب النساء كن ربات بيوت .

à       أظهرت الدراسة أن الغالبية العظمى من العينة من المطلقين أو الأرامل .

à       بالنسبة لعدد مرات الزواج فنجد أن (62%) من المسنِّين تزوجوا مرة واحدة وهي الغالبية العظمى .

à       وعن عدد الزوجات حالياً تبين أن (76%) من المسنِّين وهم الغالبية العظمى ليس لهم زوجات حالياً .

à       بالنظر إلى الحالة التعليمية للمسنِّين نجد أن (84%) منهم أميين وهي الغالبية العظمى ، (11%) يقرؤون ويكتبون فقط.

à       أسفرت الدراسة عن الحالة الصحية للمسنِّين والمسنَّات واتضح أن (43%) منهم - وهي الغالبية العظمى - في حالة صحية متوسطة ، و (33%) في حالة صحية ضعيفة .

à       لكل من المسنِّين المستفيدين من خدمات مؤسسات رعاية المسنِّين ، والمسنِّين من غير المستفيدين منها ، احتياجات اجتماعية ونفسية وصحية واقتصادية ، ومن هذه الاحتياجات ما يلي :

أ-  الاحتياجات الاجتماعية وتشمل :

³        الرغبة في الاتصال بالأسرة .

³        الرغبة في تكوين علاقات اجتماعية مع الآخرين .

³        الحاجة إلى وجود آخرين يفهمون ويستمعون للمسن .

³        الحاجة إلى المشاركة في المناسبات المختلفة .

³        الحاجة إلى القيام بعمل نافع لشغل وقت الفراغ .

ب-      الاحتياجات الصحية وتشمل :

³        الحاجة إلى  طول فترة العلاج .

³        عدم الخوف من المرض وضرورة الكشف المستمر.

³        توفير العلاج المناسب والتشخيص السليم .

³        الاهتمام بالحالة الصحية للمسنِّين .

³        توفير نظارات طبية خاصة .

ج- الاحتياجات النفسية وتشمل :

³        الشعور بالاهتمام .

³        عدم الشعور بالوحدة والعزلة .

³        الشعور بالراحة النفسية والطمأنينة .

³        الشعور بالرضا عن النفس .

د-        الاحتياجات الاقتصادية وتشمل :

³        الحصول على بعض الموارد المادية الخاصة مثل السكن والغذاء والملبس .

³        زيادة الإعانة المخصصة للمسنِّين داخل دار الرعاية الاجتماعية .

³        زيادة الدخل الثابت والخاص بالمسن .

توجد بعض الصعوبات التي تواجه المسنِّين تحول دون إشباع احتياجاتهم كاملة ، وترجع إلى عدة أسباب منها : ما يرتبط بالمؤسسات نفسها ، ومنها ما يرتبط بطبيعة العلاقة بالآخرين .

 

الدراسة السادسة :

دراسة ( عبد العزيز الغريب - 1414هـ) عن المتقاعدين في المملكة العربية السعودية ([247]) ، وتهدف الدراسة إلى تحديد بعض المشكلات الناجمة عن مرحلة التقاعد ، إضافة إلى التعرف على العلاقة بين بعض الخصائص الاجتماعية للمتقاعدين وبعض المشكلات الاجتماعية للتقاعد .

والدراسة من النوع الوصفي ، واستخدم الباحث فيها المسح الاجتماعي ، وتمت الدراسة خلال عام 1414هـ وذلك بتطبيق استبانة على عيِّنة قوامها (468) متقاعداً بمدينة الرياض ، وانتهت الدراسة إلى النتائج التالية :

à       يعاني المتقاعدون من العديد من المشكلات الناجمة عن التقاعد ، وقد جاءت المشكلات النفسية في المرتبة الأولى ، والمشكلات الاجتماعية في المرتبة الثانية ، والمشكلات الأسرية في المرتبة الثالثة ، والمشكلات الاقتصادية في المرتبة الرابعة ، وأخيراً جاءت المشكلات الصحية في المرتبة الخامسة .

à       يختلف المتقاعدون في شعورهم بالعزلة الاجتماعية باختلاف أعمارهم ، فنجد أن أعلى نسبة ممن يشعرون بالعزلة الاجتماعية ، هم من الفئة العمرية (75 سنة فأكثر ) ، وأقل الفئات شعوراً بالعزلة الاجتماعية هي الفئة العمرية الأصغر سناً وهي (60 - أقل من 65 سنة ) .

à       يختلف المتقاعدون في شعورهم بالعزلة الاجتماعية ، باختلاف مستوياتهم التعليمية ، فنجد أن أعلى نسبة ممن يشعرون بالعزلة الاجتماعية ، بين من يحملون المؤهل الابتدائي فأقل ، ثمَّ بين من يحملون المؤهل المتوسط والثانوي ، ونجد أن أقل نسبة ممن يشعرون بالعزلة الاجتماعية بين من يحملون المؤهل الجامعي فأعلى .

à       يختلف المتقاعدون في شعورهم بالعزلة الاجتماعية ، باختلاف الحالة الاجتماعية ، فنجد أن أعلى نسبة ممن يشعرون بالعزلة الاجتماعية بين الأرامل ، ثمَّ المطلقين ، بينما أقل نسبة للشعور بالعزلة الاجتماعية بين المتزوجين ، سواء بزوجة واحدة أو بأكثر من زوجة .

à       يختلف المتقاعدون ، في شعورهم بالعزلة الاجتماعية باختلاف مكان إقامتهم ، فنجد أن أعلى نسبة للشعور بالعزلة الاجتماعية بين من يقيمون مع أبنائهم ، ثمَّ من يقيمون بمفردهم ، ثمَّ من يقيمون مع زوجاتهم فقط ، بينما أقل نسبة للشعور بالعزلة الاجتماعية بين المتقاعدين الذين يقيمون مع أسرهم .

à       أظهرت الدراسة وجود ارتباط ضعيف بين الحالة الصحية ، والشعور بالعزلة الاجتماعية ، حيث يختلف المتقاعدون في شعورهم بالعزلة الاجتماعية ، باختلاف الحالة الصحية ، فأعلى نسبة للشعور بالعزلة الاجتماعية بين من لديهم أمراض صحية ، وأقل نسبة بين المتقاعدين الذين لا يعانون من أمراض صحية .

أظهرت الدراسة أن هناك علاقة وثيقة بين الشعور بالعزلة الاجتماعية والعمل بعد التقاعد .

 

الدراسة السابعة :

دراسة ( أشرف رخا - 1415هـ ) عن تقييم الخدمات المقدمة للمسنِّين في المملكة العربية السعودية ([248]) ، وتهدف الدراسة إلى تقييم الخدمات التي تُقدم للمسنِّين في دور الرعاية الاجتماعية وتمت الدراسة بواسطة استمارة استقصاء طُبقت على نزلاء دور الرعاية الاجتماعية ممن تجاوز عمرهم الستين عاماً خلال عام (1415هـ) ، وبلغ حجم العيِّنة (513) مسناً ومسنة ، انتهت الدراسة إلى النتائج التالية :

à       بلغت نسبة المسنِّين الذكور في دور الرعاية الاجتماعية (60%) من المقيمين بتلك الدور ، ونسبة المسنَّات (40%).

à       بلغ متوسط الأعمار للمسنِّين الذكور (73) عاماً ومتوسط أعمار الإناث المسنَّات (77) عاماً .

à       أكثر من (93%)من أفراد العيِّنة أميين ، و (5%) منهم يقرؤون ويكتبون فقط دون أن يحملوا شهادات دراسية .

à       أظهرت الدراسة أن الغالبية العظمى من المسنِّين الذكور كانوا يمارسون عملاً مهنياً قبل دخولهم الدور أما الإناث فلم يكنّ يعملن.

à       قرابة النصف من أفراد العيِّنة لم يتزوجوا طوال حياتهم وقرابة الثلث إما مطلق أو أرمل .

à       أكثر من نصف أفراد العينة لا يؤدون الشعائر الدينية ، فهم غير مكلفين شرعاً .

à       يعود سبب دخول معظم المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية إلى كونه يعيش بمفرده ، ثمَّ عدم القدرة على رعاية نفسه ، ثمَّ العجز الصحي .

 

الدراسة الثامنة :

دراسة ( فريدة العبد الواحد ـ 1416 هـ ) وهي عن أثر العوامل الاجتماعية في التوافق الاجتماعي للمسنَّات([249]) ، وتهدف الدراسة إلى معرفة مدى توافق المسنَّات في المجتمع السعودي ، والتعرف على أكثر العوامل تأثيراً في التوافق الاجتماعي ، والدراسة من النوع الوصفي ، وتمت الدراسة من خلال تطبيق أستبانة على عيِّنة قوامها ( 252 ) مسنة مأخوذة من مراكز الرعاية الاولية في مدينة الرياض . أما أبرز النتائج فهي :

        à       وجود علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام والحي               الذي تقيم فيه المبحوثات لصالح اللاتي يقمْن في أحياء             راقية .

        à       وجود علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام وعمر                 المبحوثات ، فكلما انخفض العمر ارتفعت نسبة التوافق .

    à   هناك علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام والحالة              الزواجية لصالح المتزوجات .

    à   هناك علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام ومكان                إقامة المبحوثة لصالح التي تقيم مع أسرتها .

    à   هناك علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام والحالة              التعليمية لصالح المتعلمات .

    à   هناك علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام والحالة              العملية لصالح العاملات في السابق .

    à   هناك علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام وبين          مقدار الدخل لصالح فئة مرتفعات الدخل .

    à   هناك علاقة ارتباطية بين التوافق الاجتماعي العام ومصادر                الدخل لصالح من يحصلن على الدخل من الزوج والأبناء.

 


التعليق على الدراسات السابقة :

يلاحظ على الدراسات السابقة أنها تنقسم إلى قسمين : الأولى دراسات تناولت المتقاعدين ،و الثانية دراسات تناولت المسنِّين في المجتمع، أو في دور الرعاية الاجتماعية .

فنجد أن دراسة كل من ( العبيدي ) و ( الغريب ) تناولت المتقاعدين مع التركيز على التكيف الاجتماعي  والاقتصادي  والنفسي الذي يعيشه المتقاعد ، ومدى المشكلات التي يعانيها المتقاعدون في حياتهم بعد التقاعد ، وهذه المشكلات تتراوح بين الاقتصادية ، والصحية ، وأقلها الاجتماعية .

أما دراسة كل من (  الخميس ) ،و ( شويكة ) ،و ( جبريل ) ،و (العبدالواحد ) فلقد تناولت المسنِّين ، إلا أن تناولها كان ينطلق من دور الخدمة الاجتماعية في العمل مع المسنِّين ، واتصفت هذه الدراسات بصغر حجم العينة نسبياً ، كما أن العينة سحبت من المسنِّين من داخل دور الرعاية الاجتماعية ، ومن خارج الدور عدا دراسة الخميس التي اقتصرت على (20) مسن ومسنة من داخل دار الرعاية الاجتماعية بالرياض ، كما اتصفت الدراسات الثلاث السابقة بأنها كانت محصورة في مدينة الرياض دون باقي مناطق المملكة .

أما دراسة ( رخا ) فقد اتصفت عينة دراسته بالشمول ، حيث غطت مناطق المملكة العربية السعودية ، إلا أن الدراسة ركزت على الجانب الصحي والطبي للمسنِّين بدرجة كبيرة ، وهذا عائدٌ إلى تخصُّص مُعِد الدراسة ، حيث يعمل طبيباً بدار الرعاية الاجتماعية بالرياض ، ودراسته كانت في طب المسنِّين ، ولذلك تضاءل البعد الاجتماعي في الدراسة .

أما دراسة ( أبا الخيل ) فأخذت جانباً آخر يتمثل في كشف حاجات المسنِّين ومدى احتياجاتهم لمراكز اجتماعية ، مع محاولة تحديد أفضل نموذج يتناسب والمسنِّين في المملكة ، ولم تغطِّ الدراسة المسنِّين داخل دور الرعاية الاجتماعية .

أما دراسة ( العبدالواحد ) فتناولت التوافق الاجتماعي لدى المسنّات خارج دور الرعاية الاجتماعية ، وينطبق عليها ماذكر في دراسة (أباالخيل ) من عدم شمولها للمسنّين داخل دور الرعاية الاجتماعية .

ومن هنا سأحاول في هذه الدراسة تناول عدد من الجوانب التي لم تتطرق لها الدراسات السابقة ، أو تطرقت لها بشكل جزئي ، إضافة إلى أنه في هذه الدراسات ستكون عيِّنة الدراسة من جميع دور الرعاية الاجتماعية الحكومية وبعض الدور الإيوائية الأهلية في الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية ، وستعطي صورة كاملة عن أوضاع المسنِّين المقيمين داخل تلك الدور من حيث الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأسرية ،  بالإضافة إلى التعرف على أسباب الدخول لهذه الدور ، ومعرفة إن كان هناك ثمة تخلٍّ حقيقي من الأبناء عن الوالدين .

 

 

 


رابعاً : الإجراءات المنهجية :

منهج الدراسة :

قامت الدراسة على المسح الاجتماعي من خلال المنهج الوصفي الاستكشافي ، ويمتاز هذا المنهج بوصفه للظاهرة المدروسة ومعرفة حقائقها التفصيلية ، كما يمتاز هذا المنهج أنه يتعدى مرحلة الوصف المجرد إلى محاولة تفسير البيانات المتحصل عليها .

أدوات الدراسة :

نظراً لاتساع نطاق العيِّنة وانتشارها على مستوى المملكة ، إضافة إلى كبر حجمها ، رئي مناسبة استخدام الاستبانة كأداة رئيسية لهذه الدراسة ، وعليه تمَّ تصميم استبانة تحوي الأسئلة الرئيسية التي تؤدي إلى تحقيق هدف البحث ، إضافة إلى أسئلة أخرى عن البيانات الأولية عن المسن ، والاستبانة مصممة للمسنِّين والمسنّات على حد سواء . فبعد التصميم الأولي لها تمَّ عرضها على بعض الأساتذة المحكمين .

بعد ذلك وفي 25/3/1416هـ تمَّ تطبيق الاستبانة في أحد دور الرعاية الاجتماعية على (15) مسن ومسنة للتأكد من وضوح العبارات وتغطيتها لجميع الجوانب المطلوب دراستها .

طرق جمع البيانات :

بعد المسح العددي للمقيمين بدور الرعاية الاجتماعية اتضح أن دور الرعاية تضم بالإضافة إلى المسنِّين عدد من المرضى النفسيين المستقرين طبياً ، إضافة إلى عدد من أصحاب العاهات ، ويمثل المسنُّون والمسنَّات بدور الرعاية الاجتماعية قرابة (45%) من المقيمين في دور الرعاية والنسبة المتبقية من فئات المرضى النفسيين وأصحاب العاهات .ولقد تمَّ اعتبار جميع المسنِّين والمسنات المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية عيِّنة للبحث . فتمَّ بعث الاستبانات لجميع دور الرعاية الاجتماعية بالمملكة ، إضافة إلى بعض الدور الإيوائية في الجمعيات الخيرية ، وتمّ إرفاق خطاب توضيحي للأخصائيين لكيفية جمع البيانات اعتماداً على سؤال الأخصائيين للمسن ، وسؤال الأخصائية للمسنة ، والرجوع إلى ملف الحالة لاستكمال المعلومات الأساسية عنه ، أو تصحيح بعض المعلومات .

ومما ينبغي ملاحظته أن رجوع الاخصائي الاجتماعي إلى الملف الاجتماعي للمسن هو الاساس في جمع البيانات ، وبخاصة أنه يوجد في ملف كل مسن بحث اجتماعي شامل يتكون من ثمان صفحات ، وفيه وصف كامل لجميع المتغيرات الاجتماعية والمادية ، والحالة الاسرية ، والصحية ، والنفسية للمسن ، فضلاً عن نتائج الزيارات الميدانية والابحاث التتبعية التي تحفظ في ملف المسن الاجتماعي ، بالإضافة إلى سجل الزيارات التي يقوم بها المسن خارج الدار ، أو حينما يقوم أحد بزيارته داخل الدار .

وهذا الاعتماد الكبير على ملف المسن الاجتماعي في جمع البيانات أمر ضروري للتأكد من صحة البيانات المطلوبة لاستكمال الدراسة ، وبخاصة إذا علمنا أن قرابة ( 66% ) من أفراد عينة الدراسة يعانون من عته الشيخوخة ، وعدم القدرة على التجاوب مع الأسئلة المباشرة ، إضافة إلى حساسية بعض البيانات المطلوبة من المسن ، ومن هنا فمعظم المعلومات الواردة في الجداول القادمة مستقاة بدرجة كبيرة من الملف الاجتماعي للمسن الذي يحتوي على دفتر البحث الاجتماعي ، والابحاث التتبعية ، وسجل الزيارات المتضمن رصد لكل زيارة يقوم بها المسن خارج الدار ، أو تتم له داخل الدار .

وبعد استكمال جميع الردود تمّت مراجعة جميع الاستبانات للتأكد من اكتمالها ، وتم استبعاد بعض الاستبانات غير المستوفاة أو التي ظهر فيها تناقض في الإجابة . عقب ذلك تمَّ تفريغها في جداول بسيطة وأخرى مركبة مع الفصل بين المسنِّين والمسنّات لمعرفة إن كان ثمة فروق ذات دلالة إحصائية بينهما في متغيرات الدراسة ، وذلك بتطبيق اختبار ( كا2 ) .

 

مجتمع الدراسة :

مجتمع الدراسة في هذا البحث هم المسنُّون المقيمون بدور الرعاية الاجتماعية والدور الإيوائية بالجمعيات الخيرية بالمملكة العربية السعودية ، ويبلغ عدد دور الرعاية الرسمية تسعة دور، وأربعة دور إيوائية  أهلية تابعة للجمعيات الخيرية في حائل ، بريدة ، القطيف ، الأحساء .

حجم العيِّنة:

        بعد المسح العددي للمقيمين بدور الرعاية الاجتماعية اتضح أن دور الرعاية تضم بالإضافة إلى المسنِّين عدد من المرضى النفسيين المستقرين طبياً ، إضافة إلى عدد من أصحاب العاهات ، ويمثل المسنُّون والمسنَّات بدور الرعاية الاجتماعية قرابة (45%) من المقيمين في دور الرعاية والنسبة المتبقية من فئات المرضى النفسيين وأصحاب العاهات .ولقد تمَّ تحديد جميع المسنِّين والمسنات المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية عيِّنة للبحث . وبعد استبعاد الاستبانات غير المكتملة استقرت العيِّنة على (462) مسن ومسنة منهم (277) ذكور ، و (185) إناث ، ويوضح الجدول التالي حجم العيِّنة من كل دار :

جدول رقم (3)حجم العينة المسحوبة من كل دار

اســـــــــــــــم

حجم العينة

المجمـوع

%

الــــــــــــــدار

ذكور

إناث

الكلـــــي

 

دار الرعاية الاجتماعية بالرياض

27

26

53

11,4%

دار الرعاية الاجتماعية بمكة المكرمة

74

32

106

22,9% 

دار الرعاية الاجتماعية بالمدينة المنورة

28

11

39

8,4%

دار الرعاية الاجتماعية بالدمام

21

22

43

9,3%

دار الرعاية الاجتماعية بالجوف

20

9

29

6,3%

دار الرعاية بوادي الدواسر

20

-

20

4,4%

دار الرعاية الاجتماعية بالطائف

29

27

56

12,1%

دار الرعاية الاجتماعية بأبها

23

49

72

15,6%

دار الرعاية الاجتماعية بعنيزة

22

6

28

6,1%

الدار الإيوائية بالجمعية الخيرية بحائل

13

3

16

3,5%

المجمــــــوع

277

185

462

100%

%

60%

40%

100%

 

 

مجال الدراسة :

المجال المكاني :  يُعد المجال المكاني لهذه الدراسة المملكة العربية السعودية ، وتمّ اختيار العينة من جميع دور الرعاية الاجتماعية بالمملكة العربية السعودية .

المجال البشري :        يمثل المجال البشري لهذه الدراسة جميع المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية بكلٍّ من  الرياض، مكة المكرمة ، المدينة المنورة ، الدمام ، الجوف ، وادي الدواسر ، الطائف ، أبها ، عنيزة، إضافة إلى الدار الإيوائية بجمعية حائل الخيرية .

المجال الزماني :       تمَّ جمع بيانات الدراسة خلال شهري ربيع ثاني وجمادي الأولى من عام 1416هـ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

خامساً : تحليل وتفسير النتائج

سنتناول النتائج التي تمَّ الحصول عليها من خلال محاور ثلاثة :

( أ ) :   الخصائص العامة للمسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية

( ب ) : ظروف دخول المسنِّين دور الرعاية الاجتماعية .

( ج )  : علاقة المسن بمن هو خارج الدار من أفراد أسرته .

وسنصل في النهاية إلى الإجابة على أسئلة البحث التي من خلالها يتمُّ التعرف على الخصائص العامة للمسنِّين وظروف دخولهم دور الرعاية ثمَّ التعرف إن كان هناك تخلٍّ من الأبناء عن الوالدين .

 ( أ ) :الخصائص العامة للمسنِّين المقيمين بالدور

جدول رقم (4) أعمار المسنِّين بدور الرعاية الاجتماعية  

الجنس 

الذكور

الإناث

المجموع الكلي

العمر

ك

%

ك

%

المجموع

%

60 - 70 سنة

123

44.4%

55

29.7%

178

38.5%

71 - 80 سنة

78

28.2%

61

33.0%

139

30.1%

81 - 90 سنة

59

21.3%

45

24.3%

104

22.5%

91 - 100 سنة

17

6.1%